» » » » المسار النضالي لمصالي الحاج - ج2/2

المسار النضالي لمصالي الحاج



المسار النضالي لمصالي الحاج 1926 - 45


نجم شمال إفريقيا : 1926 - 1937


ظهور النجم


اختلفت دراسات الباحثين و المؤرخين حول فكرة تأسيس نجم شمال إفريقيا و حول المؤسس الفعلي و الأول له، فهناك من يرى بأن هذا الحزب تم التحضير له في الفترة الممتدة من 1924-1925 في باريس بمساعدة الحزب الشيوعي الفرنسي تحت إشراف الحاج علي عبد القادر و لا يمكن أن نقصي دور هذا الأخير و الحزب الشيوعي في تأسيس النجم ودعمه، ولكن هناك تجاهل لفترة أسبق رسمت الطريق و القاعدة لتأسيسه الفعلي. و الطرح الأقرب للصحة و الذي يؤيده العديد من المؤرخين أمثال أبو القاسم سعد الله و عبد الحميد زوزو، هو أن جذور النجم تعود إلى شخصية كان لها الفضل في ظهور بوادر الحركة الوطنية ألا وهو الأمير خالد، الذي كان له دور بارز في الجزائر و فرنسا من خلال محاضراته التي كان يلقيها و يندد فيها بمطالبه ضد الإمبريالية و سياساتها و قوانينها القمعية مثل : قانون الأهالي و أعبائه على المجتمع الجزائري، و مطالبته بالمساواة مع الفرنسيين في الحقوق و الواجبات، و البعض يشير بأنه أعلن بصراحة عن مطلب الإستقلال خلال جولاته في شرق البلاد وغربها، إلا أننا لا نجد هذا المطلب ضمنيا في برنامجه الإصلاحي وهذا ما يؤكده مصالي الحاج في مذكراته حيث يقول: "أن البرنامج السياسي للأمير خالد هو نفس برنامج الإصلاحيين ... يطالب بإلغاء قانون الأهالي و تحسين الوضعية الإقتصادية و تمثيل برلمان من ستة نواب، و ثلاث أعضاء في مجلس الشيوخ ولكنه لم يتكلم عن مشكل استقلال الجزائر".

غير أننا نجد مصطلح الإستقلال واردا في رسائل الأمير خالد الموجهة إلى بعض الشخصيات الأوروبية البارزة، أو كالذي جاء في رسالته إلى الرئيس ولسن سنة 1919 حيث قال: "فأثناء معركة غير متساوية، و لكنها رغم ذلك كانت مشرفة لأبنائنا، ناضل الجزائريون طيلة سبعة عشر عاما بمثابرة و قوة لا مثيل لهما بهدف رد المعتدي، و العيش في استقلال، ولكن حظوظ السلام لم تكن للأسف في صالحهم ومنذ التسعة و العشرين سنة التي عشناها تحت السلطة الفرنسية ازددنا فقرا، بينما ازداد المنتصرون غنى على حسابنا".  و في شهر جانفي من سنة 1922 أنشأ حزبا سياسيا باسم حزب الإخاء الجزائري وكرس جريدته الإقدام التي تعرف به و بأهدافه ، و توالت بعد ذلك الإجتماعات الحاشدة التي كانت تجمعه مع العمال من كل أرجاء الوطن، إلا أنه تعرض للمضايقات الفرنسية، هذا ما جعلها تصدر في حقه قرارا بإبعاده في شهر جوان 1923 ، فوجد في فرنسا الأرض الخصبة لإكمال نشاطه السياسي، وبالتفاف و تشجيع من المهاجرين أصبح كما وصفه يحي بوعزيز(قبلة المتعطشين للحرية).

و من أشهر لقاءاته لقاؤه بالمهاجرين العرب وخاصة أبناء شمال إفريقيا في باريس يوم 12 جوان 1924 في قاعة المهندسين المدنيين بنهج بلانش. حيث مثلت التجمعات التي اتصل فيها الأمير خالد بعمال شمال إفريقيا بالمهجر بين سنتي 1923-1924 اللبنة الأولى لتأسيس النجم والإعداد له من طرف كل من: الحاج علي عبد القادر، مصالي الحاج ، و عبد العزيز المنور، و السيد علي الحمامي المراكشي، و أحمد بهلول، و بانون أكلي وغيرهم ، و كانت مهام هذه اللجنة حسب رأيه هي الإشراف على عمال شمال إفريقيا، وتنظيمهم في شكل هيئة إغاثة للمغاربة، حيث اتسمت بسمة دينية وهنا يمكننا الإشارة إلى قول محمد قنانش و هو مناضل من الجيل الثاني في النجم و الذي يؤكد بأن نجم شمال إفريقيا تأسس على أنقاض جمعية دينية و التي كان يقصد بها جمعية الأخوة الإسلامية التي أسسها الأمير خالد سنة 1924 و التي كان قوامها التعاطف و التعاون بين أعضائها، وقد ارتسمت معالم هذه التجربة المشتركة في أول مؤتمر عقد بتاريخ 07 ديسمبر1924، و ضم ممثلين عن خمسة و سبعين ألف عامل ، و كان هدفه بحث المصالح الإقتصادية و النقابية للعمال على الأسس التالية:

1. العمل على إلغاء قانون الأهالي و غيره من القوانين الإستثنائية.
2. العمل لنيل حق الإجتماع و حرية الصحافة و الكلمة.
3. تنظيم لقاءات دورية في أوساط الأهالي، و إدراج مشاكلهم في جدول أعمال المؤتمرات العامة.

و أخيرا عبر المؤتمرون عن تضامنهم مع حركات التحرر في المغرب الأقصى ومصر وتونس ببرقيات تأييد، ولقد كان هذا المؤتمر وغيره من الإجتماعات التي جمعت مهاجري الشمال الإفريقي فرصة للتعارف فيما بينهم تولد عنها فيما بعد تأسيس جمعية سياسية تدافع عن مطالبهم، و كذلك أتاحت لهم فرصة الإحتماء بظل الأحزاب المتعاطفة مع قضايا الشمال الإفريقي، و من أهم هذه الأحزاب الحزب الشيوعي الفرنسي، و هذا ما أتاح لهم الإنخراط في النقابات المختلفة إلتزاما منهم بأرضية العمل التي أرساها الأمير خالد.

تأسيس نجم شمال إفريقيا :1924 -1929


وكما اختلف الباحثون والمؤرخون حول مؤسس الحزب، اختلفوا كذلك في التاريخ الفعلي لتأسيسه. فالعقاد مثلا يقول: "قام مصالي الحاج في 1925-1926 بتأسيس حزب النجمة لشمال إفريقيا و جعل غايته الدفاع عن مصالح مسلمي شمال إفريقيا من النواحي المادية و المعنوية..."

أما رأي أبو القاسم سعد الله فهو مختلف تماما حيث يقول : "أنشئ النجم في مارس 1926 في باريس على يد جماعة من أهالي أفريقيا الشمالية وكان أكثرهم من الجزائر، وقد أعلن عن الأمير خالد رئيسا شرفيا له، و لكن شيئا فشيئا فقد النجم أعضاءه التونسيين والمغاربة، و أصبح منظمة جزائرية خالصة، و كان هدفه الصريح هو الدفاع عن المصالح المعنوية و المادية لأهل إفريقيا الشمالية وتثقيف أعضائه."

أما محمد قنانش فأكد على أن أغلب المصادر اتفقت على سنة 1926 كتاريخ لتأسيس نجم شمال إفريقيا، و اعتبر 20 جوان المسجل في وثيقة تونس اليوم التأسيسي، و دليله على الإختلاف بين المؤرخين في تحديد اليوم كون الجمعية لم تسجل قانونيا. و اعتمادا على الحقيقة التي أخذها عبد الرحمان بن إبراهيم بن العقون من مصادر محققة: فإن ميلاد نجم شمال إفريقيا بمدينة باريس بفرنسا، تم يوم 02 مارس 1926 في جلسة تحضيرية وفي جلستين متتاليتين: في 20 جوان و 2 جويلية 1926، استكمل التأسيس و تولى رئاسته الشرفية الأمير خالد، واضع القواعد الأولى للحزب، و الذي لم يستطع إكمال مساره السياسي بسبب نفيه من طرف السلطات الإستعمارية سنة 1924 إلى سوريا، حيث استقر هناك إلى أن توفي سنة 1936 و تولى رئاسته الفعلية أولا الحاج علي عبد القادر، و الكتابة العامة مصالي الحاج، و العضوية لكل من: رابح مساوي، عيمش عمار، أحمد بلغول و محمد جفال، وقد قدم له الحزب الشيوعي الدعم المادي منذ نشأته. وهنا نتوقف قليلا للإشارة إلى أن نجم شمال إفريقيا في سنواته الأولى تأرجح ما بين تيارين:

أولا: وهو تيار الأمير خالد و مطالبه الإصلاحية، و التي ستشكل جزءا من برنامجه في مؤتمر بروكسل وما بعده.
ثانيا: وهو التيار الشي وعي ممثلا في الحزب الشيوعي، الذي وفر للحزب الشروط لإج ا رء تجمعاته وغيرها و قدم له مساعدات مختلفة.

ومن خلال هذا يمكن لنا القول بأن حركة نجم شمال إفريقيا، انتهجت نهجا جديدا واعتمدت على مايلي:

1. تأسيس الحركة في البلاد الفرنسية حتى تكون في مأمن من ضغط ومكائد المستوطنين الفرنسيين.
2. اتخاذ المرحلية في التنظيم والتسيير، فقد انطوى أعضاؤها الأولون المؤسسون تحت ظل الحزب الشيوعي الفرنسي حتى يتمرنوا على العمل النظامي ويستوعبوا أساليب النظام الحزبي حسب الطرق العصرية،وبالتالي ليغطوا نشاطهم في البداية الحرجة.
3. اتخاذ أسلوب المراوغة أولا مع الإستعمار، فأعلنوا بأن المنظمة نقابية تدافع عن حقوق العمال و حسب، فإذا حصلت على أنصار من العمال و بعض الفئات التقدمية الفرنسية أعلنت برنامجها الثوري. و هذا ما سنلاحظه في المؤتمر الذي حضره و فدها في بروكسل.

مؤتمر بروكسل 10-15 فيفري 1927 المنعطف الحاسم

يعتبر مؤتمر بروكسل من أجل الكفاح ضد الإمبريالية، ومن أجل استقلال الشعوب المضطهدة و الذي انعقد بتاريخ 10 و 15 فيفري 1927 ، أكبر حدث سياسي على الصعيد العالمي. و الذي حضرته مجموعة من الشخصيات التي تقود حركات التحرر في قارات مختلفة أمثال: نهرو و سوكارنو وهوشي منه وغيرهم، وحضره كذلك ممثلان باسم نجم شمال إفريقيا هما: مصالي الحاج الكاتب العام للجمعية والشاذلي خير الله من تونس، فقدم الأول مطالب الجزائر والمغرب، وقدم الثاني مطالب تونس و لقد كان لهذا المؤتمر الدور الكبير للتعريف بالقضية الجزائرية .و لقد ارتكزت المطالب التي شكلت البرنامج الأساسي للنجم في النقاط الآتية:

1. الاستقلال الكامل للجزائر.
2. جلاء الجيش الفرنسي.
3. إنشاء جيش وطني.
4. مصادرة الأملاك الزراعية الكبيرة للكلون و الشركات الإقطاعية.
5. احترام الممتلكات المتوسطة و الصغيرة للفرنسيين.
6. إرجاع الأراضي و الغابات التي أخذتها الدولة الفرنسية إلى الجزائر.
7. الإلغاء الفوري لقانون الأهالي و جميع القوانين الاستثنائية الأخرى.
8. العفو العام عن الجزائريين الذين كانوا قد سجنوا، أو نفوا، أو كانوا يعيشون تحت الرقابة الفرنسية.
9. حرية الصحافة، و الإجتماع، والتجمع، ومنح الحقوق السياسية والنقابية كتلك التي منحت للفرنسيين في الجزائر.
10. إحلال مجلس وطني جزائري منتخب بطريق التصويت العام محل المجلس المالي.
11. إنشاء مجلس بلدي منتخب بطريقة التصويت العام.
12. حق الجزائريين في التمتع بجميع مستويات التعليم.
13. خلق المدارس باللغة العربية.
14. تطبيق جميع القوانين الإجتماعية الفرنسية على الجزائر.
15. زيادة القروض الفلاحية إلى الفلاحين الجزائريين الصغار.

و من خلال البرنامج الذي قدمه وفد نجم شمال إفريقيا في مؤتمر بروكسل، نستخلص هدفان سيحاول النجم الوصول إليهما وهما : هدف بعيد و هو تحقيق الإستقلال الكامل بالوسائل الثورية، وهدف قريب و هو الدفاع عن مصالح عمال شمال إفريقيا في فرنسا، و من الملاحظ أن مطالب النجم في المؤتمر المذكور تراوحت بين مطالب سياسية، اجتماعية، ثقافية، و اقتصادية. فكان بعضها ثوريا ويمثل نقطة انطلاق جديدة في طريق تحرير الجزائر ، و لا شك أن استقلال البلاد وجلاء القوات الأجنبية، وتكوين جيش ومجلس وطني، و الانتخابات عن طريق التصويت العام كانت أكثر الأمثلة وضوحا على نقطة الانطلاق الجديدة، كما بقي النجم محافظا ومتأثرا بمطالب الأمير خالد وهي واضحة، كالإلغاء الفوري لقانون الأهالي، بالإضافة إلى بعض المطالب الإقتصادية و السياسية .وبعد عودة الوفد من مؤتمر بروكسل، عقد اجتماعا في باريس و قدم تقريرا مفصلا عن نشاطه إلى مهاجري إفريقيا الشمالية، و أوضحوا بأن المؤتمر كان خطوة هامة نحو الهدف الوطني، و أخذ الكلمة السيد الشاذلي خير الله الذي كان يرأس الجلسة والذي عقب قائلا» : بأن الجمعية ستستعمل جميع الوسائل للوصول إلى تحقيق غايتها و أن المشككين و الخائفين سيدركون بأن أعمالهم لا تكون ارتجالية مثل حركة الأمير خالد الذي لم يدعمه أي نظام ، ولا مع الإستعمار المقنع تحت ستار الدفاع عن المسلمين مثل: ابن التهامي (زعيم الحزب الليبيرالي في الجزائر) و قلاتي (زعيم الحزب الإصلاحي في تونس).."  ومن جراء هذه الإندفاعية الوطنية الواضحة أصبح الشيوعيون يحذرون من النجم. لذلك وبعد سنة واحدة من إعلان النجم عن برنامجه في مؤتمر بروكسل، قرر الكومنتورن (هيئة عالمية تضم الأحزاب الشيوعية) في مؤتمره السادس سنة 1928 أن يجعل نجم شمال إفريقيا خاضعا للحزب الشيوعي الفرنسي، و أنه قد نصح هذا الأخير بمنعه من أن يصبح منظمة وطنية ممثلة في حزب قائم بذاته، أي أن يبقى جبهة مكافحة ضد الإمبريالية الفرنسية في إفريقيا الشمالية تحت راية الشيوعية العالمية لا راية الوطنية .و في حديث خاص لمحمد قنانش مع مصالي الحاج صرح هذا الأخير بأن علاقته مع الشيوعيين بدأت تتوتر بعد إلقاء خطابه في مؤتمر بروكسل لذلك شهدت سنة 1927 تخلي الشيوعيين شيئا فشيئا عن تقديم المساعدة لنجم شمال إفريقيا استنادا لقول مصالي الحاج في مذكرته  : "في ربيع 1927 أخبرني الحاج علي أن أصدقاءنا الشيوعيين لم يعد في استطاعتهم مساعدتنا ماديا،و لكنهم سيواصلون مساعدتنا في مجالات أخرى..." و بدأوا بذلك ينسحبون منه الواحد تلو الآخر إلى غاية أن غادره آخر ما تبقى منه في المنتصف الثاني من ثلاثينيات القرن العشرين، بالإضافة إلى ذلك فقد أثبتت تقارير الشرطة الفرنسية بأن أعضاءه قد وصلوا خلال نفس السنة إلى ثلاثة آلاف عضو، على الرغم من أنه و ابتداء من سنة 1927 بدأ أعضاءه التونسيون و المغاربة ينفصلون وينظمون إلى منظماتهم المحلية، التي كان مسموحا بها في بلدانهم خلافا للجزائر.

و نظرا للنشاط الدعائي الذي مارسه النجم عبر جملة من العناوين التي نشرها عبر جريدة الإقدام سنة 1928 و نذكر منها عنوان(من أجل استقلال إفريقيا الشمالية) عدد جوان- جويلية، الذي ناشد فيه الأهالي "أن أعدوا أنفسكم لتحتفلوا بمرور مئة عام على احتلال بلادكم بطريقتكم الخاصة، و ذلك بتنظيم حركة واسعة ضد الإمبريالية" و عشية الإحتفال بالاحتلال و نظرا لاندفاع الجماهير و تلبيتها لنداء النجم و نشاطاته المعادية للإستعمار الفرنسي ، قررت السلطات الإستعمارية أن تحل النجم .ففي 20 نوفمبر 1929 اتخذت محكمة جنح السين ذلك القرار الذي ألغته هي بنفسها في 4 جويلية 1935. و هكذا فإنه نتيجة لقرار سنة 1929 اضطهد زعماء النجم ومنعت جريدتهم من الصدور، و قد قال نوشي أن الحكومة قد وجدت نشاطات هذا الحزب مضرة بالسيادة الفرنسية في إفريقيا الشمالية.

و بعد قرار الحل واصل النجم نشاطه على الرغم من الصعوبات بالأخص المادية و كانت سنة1930 إنطلاقة جديدة له حيث ما إن حلت هذه السنة حتى بدأ النجم يعود إلى الجزائر، و شهدت بذلك أحداثا بارزة فقد تناولت الصحافة خبرا مهما عن لجنة سورية فلسطينية لها مقعد في عصبة الأمم للدفاع عن قضايا العرب حيث قام مصالي الحاج بإرسال مذكرة لها في جانفي 1930 يندد فيها بقرن من الإضطهاد و الإستغلال و طرحه لمشكل الإستقلال.كما تم إنشاء جريدة الأمة عام 1930 لنشر أخبار النجم بفرنسا و كذلك من أجل تنظيمه الجزائر . وفي سنة 1931 تعززت صفوفه بانضمام مجموعة من الشباب المناضلين الحركيين الذين سرعان ماغدوا من أبرز شخصيات الحزب في فترة قصيرة و أشهرهم: راجف بلقاسم، عمار عيمش، كحال أرزقي، موساوي رابح، و بعد أن خاض الحزب تجربة العمل السري لمدة ثلاث سنوات 1930- 1933 ، دعى رئيس الحزب مصالي الحاج إلى عقد مؤتمر الجمعية العامة في 28 ماي 1933 تم فيه تجديد سياسة النجم، و إعادة هيكلته، و صياغة البرنامج الجديد له، والذي انقسم إلى قسمين وقد تمثلت أهم مطالبه في النقاط التالية:

القسم الأول:

1. محو قانون الأهالي في الحال وٕالغاء جميع القوانين الإستثنائية.
2. العفو العام عن كل أولئك الذين كانوا قد سجنوا، أو وضعوا تحت الرقابة الخاصة.
3. الحرية المطلقة في السفر إلى فرنسا وٕالى غيرها من البلاد الأجنبية .
4. حرية الصحافة ، والإجتماع ، والتجمع ، وتوفير الحقوق السياسية والنقابية .
5. إحلال مجلس وطني جزائري منتخب عن طريق التصويت العام محل المجلس المالي، الذي لا ينتخب إلا عن طريق التصويت المحدود .
6. إلغاء البلديات المختلطة و المناطق العسكرية وٕاحلال محلها مجالس بلدية منتخبة عن طريق التصويت العام .
7. حق الجزائريين في تقليد جميع الوظائف العامة دون أي تمييز، مع المساواة في العمل وفي المعاملة للجميع .
8. التعليم الإجباري للغة العربية . وحق كل الجزائريين في التعليم على جميع المستويات . وخلق مدارس عربية جديدة.
9. كل الأعمال الرسمية يجب نشرها بالعربية و الفرنسية في نفس الوقت.
10. بخصوص الخدمة العسكرية بالنسبة للجزائريين في الجيش الفرنسي، يجب الإحترام الكامل للآية الكريمة "ومن يقتل مؤمنا متعمدا..."
11. تطبيق القوانين الإجتماعية و العمل على الجزائريين أيضا .وحق العائلات الجزائرية في الجزائر.
12. الحصول على المساعدة من جراء البطالة، وفي المنح العائلية . إلغاء تام للتأمينات الإجتماعية .
13. زيادة القروض الفلاحية إلى الفلاحين الصغار . وتنظيم أكثر عقلانية لنظام الري . وتطوير وسائل المواصلات ، والمساعدة الحكومية، غير المعوضة، إلى ضحايا المجاعات الدورية .

القسم الثاني و يتضمن المطالب التالية:

استقلال الجزائر الكامل.
جلاء تام لجيش الاحتلال .
تكوين جيش وطني.

حكومة وطنية ثورية :

1. مجلس تأسيسي منتخب عن طريق التصويت العام.
2. التصويت العام وصلاحية ( الترشح ) إلى كل المجالس بالنسبة لجميع سكان الجزائر.
3. اللغة العربية هي اللغة الرسمية.
4. تسليم جميع الممتلكات إلى الدولة الجزائرية، بما في ذلك البنوك، والمناجم، والطرق الحديدية، والموانئ، والمؤسسات التي اغتصبها المحتلون.
5. تأميم الأملاك الكبيرة التي اغتصبها الإقطاعيون ، حلفاء المحتلين ، والكولون ، والشركات الرأسمالية، وتسليم الأراضي المؤممة إلى الفلاحين. واحترام الأملاك المتوسطة والصغيرة . وٕاعادة الأراضي والغابات التي أخذتها الد ولة الفرنسية.
6. حرية التعليم بالعربية وٕاجباريته على جميع المستويات.
7. تعترف الدولة الجزائرية بحق تشكيل الإتحادات، و التحالفات، و حق الاضراب، و هي تتعهد بمناقشة القوانين الاجتماعية.
8. المساعدة العاجلة للفلاحين بتخصيص قروض للفلاحين دون فائدة من أجل شراء الآلات، والبذور، والسماد، وتنظيم الري، وتحسين وسائل المواصلات ، الخ.

وبالإضافة إلى ذلك فقد قام الحزب بتغيير اسمه إلى "نجم شمال إفريقيا المجيد" كما تم انتخاب لجنة مركزية جديدة مؤلفة من 30 عضوا و تم إسناد المناصب القيادية و توزيع المسؤوليات بين أعضاء النجم، فأصبح عمار عيماش أمينا عاما للحزب و رئيسا لتحرير جريدة الأمة، وتولى بلقاسم راجف المالية، وضمت اللجنة التنفيذية : موساوي رابح، و كحال أرزقي و بنون أكلي، واحتفظ مصالي الحاج برئاسة الحزب، والإدارة السياسية لجريدة الأمة. وبالنسبة لتنظيمه الإداري فلقد كان النجم منذ 1927 إلى غاية تأسيسه لنجم شمال إفريقيا المجيد يقوم على أسس واضحة لإدارة نشاطه، و تتمثل هذه الأسس في :

الجمعية العامة: و تعقد اجتماعاتها سريا ، و تعتبر الهيئة العليا و الأساسية له، فهي صاحبة السيادة.
اللجنة الإدارية: وتسمى أحيانا اللجنة المركزية و أحيانا اللجنة التنفيذية وكانت تضم في الغالب خمسة و عشرين عضوا.
المكتب التنفيذي :و يتكون من خمسة إلى ستة أعضاء، و ينتخب من الجمعية العامة هو المسؤول عن الفروع و على جريدة الأمة وعلى إدارة العلاقات مع الجمعيات و المنظمات الأخرى، وعلى الدعاية و النشر.

و بالنسبة للبرنامج الذي أعيد صياغته سنة1933، فإن مطالبه لا تختلف كثيرا عن مطالب سنة 1927 و المتعلقة بالاستقلال التام و التعليم الإجباري باللغة العربية و اعتبارها لغة البلاد الرسمية، وجلاء الجيوش الأجنبية ، و تكوين جيش قوي و نفس المطالب أكدها في مؤتمره الذي عقد بباريس سنة 1933 و التي نشرتها صحيفة الأمة الناطقة باسم الحزب سنة .1934 لكن القضاء الفرنسي تدخل سنة 1934 و اتهم النجم بالقيام بنشاط باسم منظمة محلة قانونيا، حيث استأنف الحكم في نوفمبر 1934، و في 24 جانفي 1935 حكمت محكمة باريس على مصالي الحاج بالسجن مدة ستة أشهر و تغريمه مائتي فرنك و على عيماش بأربعة أشهر سجنا و تغريمه بمائتي فرنك، و على راجف بثلاثة أشهر سجنا و مائتي فرنك.


من نجم شمال إفريقيا المجيد إلى الإتحاد الوطني لمسلمي شمال إفريقيا:


وفي أقل من شهر وبتاريخ 6 فيفري1935 ، أصبح النجم يزاول نشاطه تحت اسم جديد و هو:
الإتحاد الوطني لمسلمي شمال أفريقيا، فقد أودع مؤسسوه قانونه الأساسي بدائرة الشرطة بتاريخ 27 فيفري1935 ، و جاءت بعض مواده كالتالي:

المادة الثانية: العمل على التحرير المادي و المعنوي لمسلمي شمال أفريقيا.
المادة الثالثة: أن الإتحاد يجمع كل مسلمي شمال إفريقيا و أنه سيقوم بتربيتهم الوطنية و الإجتماعية و السياسية.
المادة الرابعة: أكدت على أن الإتحاد سيستعمل كل وسيلة لديه لتحقيق أهدافه و أنه سيقوم بالدعاية الضرورية لنفس الأهداف، وواصل نجم شمال إفريقيا نشاطه بهذا الإسم إلى غاية الإفراج عن رئيسه في 1 ماي 1935، إلا أن موجة القمع لم تتوقف ضد مناضلي الإتحاد الذين شاركوا في حملة التنديد بالغزو الإيطالي لأثيوبيا و الدفاع عن قضايا شمال إفريقيا أمام عصبة الأمم و في 14 ماي 1935 حكم على مصالي الحاج بسنة سجنا و غرامة مائتي فرنك و على عيماش عمار و راجف بلقاسم بستة أشهر سجنا و مائة فرنك غرامة لكل منهما. لكن رئيس الحزب سارع بالخروج إلى سويسرا و هناك التقى برائد النضال و الكفاح العربي الإسلامي الزعيم شكيب أرسلان بمناسبة انعقاد المؤتمر الإسلامي الأوروبي بجنيف في سبتمبر1936، وبعد إقرار السلطة القضائية شرعية الإتحاد سنة 1935 ووصول الجبهة الشعبية للحكم في 1935 أصدرت قرارا بالعفو على جميع السياسيين الأمر الذي مكنه من العودة إلى فرنسا. فازداد بذلك نشاط الحزب و تألقه، وٕاثر انعقاد المؤتمر الإسلامي بالجزائر، دعم النجم المطالب التي تخدم المصلحة العامة للجماهير، ورفضه لمطالب الأقلية في إشارة واضحة إلى الإدماج و التجنيس. وعندما فشل مصالي الحاج في إقناع وفد المؤتمر الإسلامي بالتخلي عن فكرة تمثيل الجزائريين في البرلمان الفرنسي والتجنيس، قرر الحزب نقل نشاطه لأول مرة للجزائر منذ نشأته، لقطع الطريق أمام مطالب المؤتمر الإسلامي الجزائري.

و في 02 أوت 1936 كان أول احتكاك للنجم بالجماهير في الجزائر بالملعب البلدي للعاصمة، حيث ألقى مصالي الحاج خطابه الشهير و أظهر الحضور تفاعلهم معه، و مع نهاية سنة 1936 قطع النجم علاقته مع الجبهة الشعبية بسبب إصدار هذه الأخيرة لمشروع بلوم فيوليت الإدماجي،و في 30 سبتمبر 1936 أعلن مصالي الحاج صراحة معارضة النجم للمشروع و اعتبره أداة إستعمارية لتقسيم الشعب الجزائري. و إثر عودته إلى فرنسا و جهت له عدة اتهامات و بالإضافة إلى ذلك تواطئت حكومة الجبهة الشعبية في 26 جانفي 1937 مع الحاكم العام في الجزائر لوبو، الذي نجح في استصدار مرسوم يقضي بحل النجم الذي كان يمارس نشاطه السياسي السري تحت اسم الإتحاد الوطني لمسلمي شمال إفريقيا، وهذا ما دفعه هو ورفاقه إلى تأسيس حزب جديد هو حزب الشعب الجزائري.

حزب الشعب الجزائري 1937-1939


بعد الحل تحولت خلايا النجم إلى مجموعات "أحباب الأمة" و سرعان ما انعقد اجتماع بنناتير بفرنسا حضره ما يقرب من ثلاثمائة مشارك، و الذي أعلن بتاريخ 11 مارس 1937 تأسيسه لحزب الشعب الجزائري، الذي دخل حلبة الصراع بصفته حزبا عصريا مهيكلا بطريقة حديثة، و ما ميز هذه المرحلة هو التحول التدريجي إلى الوطن الأم و ظلت فرنسا لظروفها السياسية و الإجتماعية ميدانا لعقد مؤتمرات الحزب و دعمه من بعيد معنويا و ماديا، حيث بدأ الحزب نشاطه الفعلي بعد عودة مصالي إلى الجزائر في 18 جوان 1937 و باسم الحزب الجديد اشترك أعضاؤه لأول مرة في الحصول على الأصوات اللازمة في انتخابات البلدية حيث أصبح معروفا لدى الأوساط الجزائرية. وقد أنشأ الحزب أول جريدة له بالعربية في الجزائر بعنوان "الشعب" بالإضافة إلى جريدة "الأمة" التي كانت تصدر باللغة الفرنسية في باريس، وكانت الشعب جريدة نصف شهرية يديرها مصالي الحاج و يرأس تحريرها أولا السيد مفدي زكريا ثم خلفه عليها السيد محمد قنانش. و قد قام الحزب بمظاهرات كبيرة في 14 جويلية 1937 رافعين العلم الجزائري  مرددين نشيد فداء الجزائر روحي و مالي لمؤلفها شاعر الثورة الجزائرية، و مرددين شعاراتهم المعتادة : "برلمان جزائري و الحرية للجميع و الأرض للفلاحين و مدارس عربية و احترام الدين الإسلامي.." و خلال النصف الأول من شهر أوت 1937 قام مصالي بزيارة إلى الغرب الجزائري، ألقى فيها خطابا هجوميا و عنيفا تجاه المناضلين الشيوعين الذين جاؤوا لمعارضته، و في اللحظة التي تأهب فيها للسفر إلى الجنوب الجزائري انطلقت عملية القمع و التفتيش في بيوت المناضلين ومنعت الإجتماعات و استدعي لدى قاضي التحقيق يوم 27 أوت 1937 حيث تم توقيفه بتهمة إعادة تأسيس رابطة محلة، و كذلك بالنسبة لكل من مفدي زكريا و حسين لحول.

و قد حكمت المحكمة على رئيس الحزب بالسجن لمدة عامين بمقتضى مرسوم حيث تمت معاملتهم كمساجين سياسيين بعد احتجاج المؤيدين لهم. ومع ذلك فقد فاز عدد من أعضاء حزب الشعب في الانتخابات، وهم في السجون في شهر أكتوبر 1938 و من بينهم مصالي الحاج. إلا أن الإدارة الفرنسية قامت بتزويرها و رفضها. و على الرغم من ذلك فقد حصد الحزب في انتخابات أفريل 1939 نجاحا باهرا حيث فاز مرشحه السيد محمد دوار.

وأنشأ الحزب كذلك جريدة "البرلمان الجزائري" و التي كانت تحرر وتنشر من سجن الحراش و تطبع و توزع خارجه و الذي صدر عددها الأول بالجزائر في 18 ماي1939 ، و كان يديرها كل من أحمد بودة و محمد كوفي، و حسب أبو القاسم سعد الله الذي اطلع على عددها الثاني بتاريخ 03 جوان 1939 ، فهي جريدة وطنية نصف شهرية تدافع عن حقوق الجزائر العربية.

ولما خرج مصالي الحاج من السجن في 27 أوت 1939 واصل نشاطه بنشر آراءه من خلال هذه الجريدة، مشيرا إلى أن الجزائر ليست ملحقة فرنسية "... إن وطننا هو المغرب العربي و نحن مخلصون له حتى الموت، و إذا كانت إرادتنا في العيش أحرارا تعد معاداة لفرنسا فنحن إذن معادون لفرنسا..."

و في 04 أكتوبر 1939 اعتقل رئيس الحزب من جديد، كما صدر قرار بحل حزب الشعب في 26 سبتمبر 1939 و بحظر صحيفتيه الأمة و البرلمان الجزائري .و لكن المحكمة أصدرت في حقه أحكاما قاسية يوم 28 مارس 1940 و هي السجن لمدة ستة عشر عاما مع الأشغال الشاقة، كما أصدرت أحكاما أخرى على عدد آخر من أعضاء الحزب، غير أنه بعد حوالي شهر من صدور هذه الأحكام و في يوم 24 أفريل 1940 أطلق سراح رئيس الحزب و وضع تحت الإقامة الجبرية و المراقبة المستمرة بقصر البخاري حتى انتهت الحرب ونجم عن ذلك أن دخل حزب الشعب الجزائري مرحلة السرية المطلقة التي ستستمر طيلة مدة الحرب العالمية الثانية 1939-1945.

=================================

 تابع للجزء الأول  المسار النضالي لمصالي الحاج - ج1

عن المدون Algeria Gate

بوابة الجزائر موقع تثقيفي يُعنى بالشأن الجزائري خصوصا دون الحصر و يرحب بمشاركة القرَّاء.
»
السابق
رسالة أقدم
«
التالي
رسالة أحدث

ليست هناك تعليقات :

ترك الرد