» » الهجرات الأندلسية إلى الجزائر


 الهجرة الأندلسية الأولى


تتميز الهجرات الأندلسية الأولى كما ذهب إلى ذلك جل المؤرخين الجزائريين بأنها هجرات أسر وجيهة وأعلام أندلسية بارزة كان لها الأثر الكبير في جميع الميادين العلمية والاقتصادية وقد استقطبتهم بجاية الناصرية والحفصية بصورة بارزة(1).
 
و يبدو أن أول هجرة أندلسية واضحة نحو الجزائر "جزائر الثعالبة" جاءت على إثر سقوط سرقسطة البيضاء عام 512هـ/1120-1121م فاستقروا في أعالي الجزائر و كان موطن استقرارهم بحي أو حومة الثغريين ولا تزال الهضبة التي استوطنوها تحمل اسمهم إلى اليوم، ويعود لهم الفضل الأكبر في إحياء المنطقة والقضاء على أحراش بوزريعة واستصلاح غابات المنطقة كما سيأتي ذكره لاحقًا. لقد كان خط سير الثغريين من سرقسطة البيضاء أيام حكم أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين(537هـ/1143م)، فقد حملهم الأسطول المرابطي العامل في السواحل والجزر المرابطية من ميناء ألمرية إلى جزائر الثعالبة رأسًا وقد كانت الحاضرة المرابطية الشهيرة بالمغرب الأوسط (الجزائر).
 
أما الهجرة الأندلسية الثانية في هذه المرحلة المبكرة في منتصف القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي فقد تمت أيام سقوط المرية نفسها على يد الصليبيين الفرنسيين من بروفانس وإمارة لانغدوك جنوب ووسط فرنسا، وكانت محطة استقرارهم الأولى بجاية الناصرية ثم تحولوا في ظروف لا نعلم دواعيها إلى فحص الجزائر، وكان استقرارهم ببساتين ثامنتفوست لقرب سهول المنطقة من المرافئ البحرية للجزائر الشرقية(2). وصد الحملات الإسبانية التي تسعى للسيطرة على ضفتي المتوسط في إطار الإمبراطورية الجديدة(3).

الهجرة الأندلسية الثانية 

كانت هجرة أهل بلنسية الشهيرة، هجرة كثيفة نحو تونس الحفصية وبجاية كما خرجت عائلات كثيرة من تونس واستقرت أولا بمدينة القل وتادلس "دلس" حاليا ومنها إلى فحص الجزائر المتيجة أيام اشتداد الحملات الصليبية الإسبانية على بجاية وبونة والقالة ودلس. هذه الهجرات كانت بطريقة أو بأخرى تتم نحو جزائر الثعالبة منذ أيام المرابطين والموحدين فأسسوا مدينة القليعة فيما بعد.
 
ومن الأسباب الموضوعية التي أدت إلى استقرار هذه الجاليات الأندلسية من سرقسطة البيضاء وألمرية وبلنسية خاصة إلى حاجة الثعالبة  - وهم فرع من عرب المعاقيل الذين ملكوا المتيجة وضواحي مدينة الجزائر العاصمة والفحص بصورة خاصة - إلى خبرة هؤلاء الأندلسيين الزراعية خاصة والحرفية عامة.   
 
واستقرت حوالي ثلاثمائة أسرة أندلسية هاجرت من قشتالة والأندلس ومن أهل الثغور من مملكة بلنسية، واستوطنوا مدينة القل مدينة المهاجرين الأندلسيين كما يقول مارمول كربخال(4). 
 
 لذا تطورت هذه المدينة العتيقة التي استوطنها الأندلسيون من شرق الأندلس وحواضره الشهيرة بلنسية ومثاغري جزيرة شقر، والقل بلدة غنية بالفواكه ومنها أشجار الليمون والبرتقال، كما كسبت المنطقة من خلال خبرة الأندلسيين درجة عالية في تربية دودة القز، لهذا كانت من أطماع بيدرو الثالث الأراغوني، الذي سعى للسيطرة عليها ثم الزحف على مدينة قسنطينة في مغامرة غير  محمودة بتواطئ مع ابن الوزير الطامح في عرش تونس الحفصية بمساعدة مملكة أراغون الصليبية(5). 

الهجرة الأندلسية الثالثة 

ارتبطت نهاية الحكم الإسلامي بالأندلس بسقوط آخر معاقل الإسلام المحاصر بأقصى جنوب غرب أوروبا-غرناطة بني الأحمر(897هـ/1492م) وبانتهاج الأسبان سياسة متابعة حركة الاسترداد ببلاد المغرب وتعقب المهاجرين الأندلسيين بها، وذلك للحيلولة دون قيامهم بالجهاد البحري انتقامًا لما تعرضوا له، وقد أسفرت هذه السياسة عن استيلاء الأسبان على العديد من المراكز الساحلية بالسواحل الجزائرية، فقد فرضوا سيطرتهم على المرسى الكبير(1505) ووهران (1509م) ومستغانم (1511) وتلمسان(1512).
 
تطلبت تصفية الوجود الإسلامي بأسبانيا ذاتها انتهاج سياسة التنصير الإجباري(6) للمسلمين التي أشرفت عليها الكنيسة الكاثوليكية وتبنَّاها الكاردينال خيمينيس (Cinseros Ximénés) ونفذها البغيض الأسباني فنقض فردناند وإيزابيلا العهد الذي أعطي للمسلمين مقابل تسليم غرناطة وحرمت الشعائر الإسلامية وأحرقت الكتب العربية وأغلقت المساجد (905هـ/1499م) واعتبر الدين الإسلامي خطرًا على أسبانيا ومنع وجود المسلمين بها(907هـ/1501م) وهذا ما أدى إلى انتفاضة المسلمين وقيامهم بثورة جبال البشارات(976هـ/1568-1570م) وبعد سنتين فشلت الثورة فأرغموا على التهجير إلى السواحل المغربية، وأعقبت هذه الانتكاسة زيادة الضغط على المسلمين، فاتخذت في حقهم إجراءات قمعية رادعة مهدت إلى قرارات الطرد الجماعي التي أصدر قوانينها ومراسيمها فيليب الثالث ما بين 1607-1614م بإيعاز من الكنيسة وتشجيع من الإقطاعيين فخصصت لهم السفن لنقلهم إلى السواحل المغربية، وقد تضمنت الوثائق الأسبانية قوائم السفن التي حملت الأندلسيين المهجرين إلى وهران والمرسى الكبير باعتبارهما مركزين أسبانيين يوجه إليهما المهجرون.فقد تم نقل ما بين شهري أكتوبر ونوفمبر من عام(1016هـ/1609م) 116022 مسلمًا من مناطق شرق الأندلس، ونتج عن هذا الوضع تجند المرابطين وشيوخ الزوايا بالمغرب الأوسط (الجزائر) لحمايتهم والدعوة إلى الجهاد، وطلب الفقهاء والوجهاء إلحاق البلاد الجزائرية بالدولة العثمانية حاملة راية الإسلام وتحولت الجزائر بذلك إلى جبهة متقدمة في صد الدولة العثمانية للنفوذ الإسباني، وارتبط هذا العصر في الجزائر بتحول أعداد كثيرة من الأندلسيين من إسبانيا للاستقرار بالمدن والأقاليم الجزائرية الساحلية خاصة، فكانت أهم مراكز الاستقرار بالغرب الجزائري، وهران ونواحيها ومستغانم وآرزيو وجهاتها وتلمسان وقلعة بني راشد ومازونة وندرومة، وبالشرق الجزائري استقرت جاليات أندلسية ببجاية وجيجل والقل وقسنطينة وبونة (عنابة) والقالة، أما الوسط فاختارته بعض الجاليات الثغرية القادمة من وشقة وسرقسطة البيضاء وبطليوس بالغرب (البرتغال).وتجمع الأندلسيون في مدن الجزائر والبليدة والقليعة وشرشال وتادلس ومليانة والمدية ومازونة وفي إقليمي المتيجة والساحل القريب منها(7).
 
لقد تم نقل ما بين 1543-1569م حوالي 7700 أندلسي من أهالي بلنسية وأليكانت وهذا أيام البحارة المشهورين صالح رايس، إيدن رايس درغوث رايس، حسن فينيزيانو،مراد رايس، كما شارك مئات المتطوعين الإنكشاريين ثوار جبال البشارات وهذا بإنزال بحري على شواطئ نواحي ألمرية ومربلة ما بين سنتي 1568-1569م، وأشار كتاب غزوات عروج وخير الدين" أنه قد أنقذ ما لا يقل عن سبعين ألف أندلسي وحملهم خير الدين إلى الجزائر، وما يلاحظ أن أغلب هؤلاء المرحلين الأندلسيين الذين يشكلون المرحلة الثانية للهجرة الأندلسية نحو الجزائر، كانوا من الطبقات المتوسطة والفقيرة فجلهم من الفلاحين وأصحاب المهن والصنائع والتجار والقليل منهم كان له حظ في العلم أو نصيب في الثقافة وهذا عكس المرحلة الأولى للهجرة الأندلسية للجزائر التي سبقت الإشارة إليها(8).



(1)- محمد الشريف سيدي موسى، مدينة بجاية الناصرية (دراسة في الحياة الاجتماعية والفكرية)، تقديم الدكتور محمد الأمين بلغيث.الجزائر، دار هومة للنشر والتوزيع.2007م.
(2)-تقع ثامنتفوست أو روسقونيا القديمة، على بعد 24 كلم شرق جزائر الثعالبة، وتحتل الجزء الشرقي من جوف الجزائر، ويقصد بثامنتفوست الجانب الأيمن، واسمها قديمًا روسقونيا المتكون من كلمة روس البونية الأصل وتعني قمة أو رأس، ومعناها: قمة أو رأس الأدغال:عمرها الرومان، وآثارهم الباقية إلى اليوم، لا تزال شاهدة على تعميرهم لها، وكانوا قد أزالوا الآثار الفينيقية، حيث كانت تمثل مرفأ السفن ومنطقة تخزين السلع الفينيقية، ثم عمرها  الأندلسيون وكونوا منها حصنًا وقلعة في عهد الجزائر العثمانية، وكانت من ثامنتفوست تنطلق السفن لحماية الساحل الشرقي، وقاموا بتعمير المنطقة الفلاحية، وهذا بما جلبوه من خبرات في الري، ومد القنوات لسقي البساتين.انظر:تامنتفوست (روسقونيا القديمة)،الجزائر، الوكالة الوطنية للآثار وحماية المعالم والنصب التاريخية، 1998م.ص:3 .
(3)- فرنان برودويل، المتوسط والعالم المتوسطي، تعريب وإنجاز مروان أبي سمرا، بيروت، دار المنتخب، 1993م. ص:47.
(4)- مارمول كربخال، إفريقيا، الجزء الثاني، ص:362.
(5)- ناصر الدين سعيدوني، صور من الهجرة الأندلسية إلى الجزائر (المجلة العربية للثقافة)، السنة الرابعة عشرة، العدد السابع والعشرون، عدد خاص بالتاريخ العربي في الأندلس، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1994م. ص:232. أفوقاي(أحمد بن قاسم الحجري الأندلسي)، ناصر الدين على القوم الكافرين(مختصر رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب)، تحقيق محمد رزوق،الدارالبيضاء، مطبعة النجاح الجديدة،1407هـ/1987م.ص:5.ممدوح حسين، الحروب الصليبية في شمال إفريقية وأثرها الحضاري.ص:472.
(6)- وثيقة أندلسية: عن سقوط غرناطة مع دراسة تحليلية للمستشرق جيميس.ت.مونرو،ص:19. الفيكونت شاتوبريان، الإسلام في الأندلس آخر بني سراج(ملحق أخبار العصر في انقضاء دولة بني نصر آخر بني سراج)، ترجمة الأمير شكيب أرسلان، بيروت، دار مكتبة الحياة، 1985م.ص:129.
(7)- ناصر الدين سعيدوني، الجالية الأندلسية بالجزائر، مساهمتها العمرانية ونشاطها الاقتصادي ووضعها الاجتماعي( مجلة أوراق) مدريد، العدد الرابع، المعهد الأسباني العربي للثقافة،1984م.ص ص:111-118. 
(8)-جاء في كتاب غزوات خير الدين وعروج، فكتب أهل الأندلس كتابًا إلى خير الدين يعلمونه بما وقع من النصارى من هذه المحن ويتضرعون إليه في إنقاذهم بما هم فيه فوصل إليه كتابهم فامتعض من أجلهم ودخلته حمية الإسلام، والغيرة للدين المحمدي، فعند ذلك، حضر ستة وثلاثين جفنًا، فلما رآهم الأندلسيون خرجوا إلى ذلك الجبل المتقدم، فتجرد في طلبهم النصارى فلما وصلوا إلى الجبل  نزل إليهم أهل الأجفان من المسلمين وأتوهم من ورائهم ووقع بينهم قتال عظيم،قيض الله المسلمين عليهم فأخذ الكفار في الفرار وتبعهم المسلمون في الأثر حتى  أبعدوا عن مكانهم، ثم إنهم رجعوا.لما رأى أهل الجبل من الأندلسيين ما منح الله عسكر خير الدين من النصر نزلوا إليهم من الجبل وسلموا عليهم واستبشروا بقدومهم... ، فرفعوا نساءهم وأبناءهم وما قدروا عليه من أموالهم وأبناءهم فأتوا بها إلى الأجفان ووسعوها بذلك، وركب فيها عدد كثير منهم ورجعوا إلى الجزائر بعد ما خلفوا ألف مقاتل من العسكر يحرسون جماعة المسلمين الباقية من الأندلس خوفًا عليهم من غائلة النصارى لعنة الله عليهم، فلما وصلت الأجفان إلى الجزائر خلفوا ما حملوه من الأندلس... فكان جملة  ما حملوه سبعين ألفًا انظر:مجهول، تاريخ خير الدين، مخطوط رقم:5754.نقلا عن جمال قنان، نصوص ووثائق في تاريخ الجزائر الحديث(1500-1830م)، الجزائر، منشورات المؤسسة الوطنية للطباعة، 1987م.ص:41.
 

عن المدون Le Grand Maghreb

بوابة الجزائر موقع تثقيفي يُعنى بالشأن الجزائري خصوصا دون الحصر و يرحب بمشاركة القرَّاء.
»
السابق
رسالة أقدم
«
التالي
رسالة أحدث

2 comments :

  1. ماهوا دورها ولكن كان رائع شكرا
    ;-) B-)


    ردحذف
  2. شكرا مليء بلمعلومات♥يمكن البحت والتلخيص اكثر����

    ردحذف