728x90 AdSpace

  • أحدث المواضيع

    مذكرات أحمد باي، الجزء الثاني

    مذكرات أحمد باي



    مذكرات أحمد باي، الجزء الثاني [الجزء الأول هنا]

    وبمجرد ما رجعت إلى الحكم، اتصلت، من مدينة الجزائر، برسالة كتبها الجنرال الذي يسمى كلوزال. (10) فعرض علي هو أيضا، الاعتراف بي كباي على قسنطينة ولكن شريطة أن أدفع اللازمة وقال بأنه سيرسل لي، عندما أستسلم، قفطان الشرف باسم ملك الفرنسيين  .وفي الحين جمعت الديوان وقرأت عليه رسالة الجنرال. فكان رد الأعضاء أن قسنطينة كانت في الحقيقة تابعة لباشا الجزائر وتمتثل لأوامره، ولكن الجزائر، بدورها، كانت تابعة لسلطان اسطمبول: ولقبول الصلح المقترح علي يجب، أولا أن أحصل على موافقته، والإجابة الوحيدة هي أن نخبر الفرنسيين بأننا نستشير السلطان ثم نرفع الإرادة السنية بكل سرعة إلى الجنرال.

    كان الديوان يحمل بغضا شديدا للفرنسيين، ولم يكن الغرض من الإجابة التي نصحت بتقديمها لهم سوى تمديد المفاوضات وإطالتها، ومنع البلاد من أن تتعرض لمصائب جديدة نتيجة رفض عنيف.

    وأجبت كما أشار علي الديوان بذلك، وبعد وقت قصير علمت أن الجنرال الذي كان يحكم الجزائر أمر بعزلي، وأبرم في هذا الموضوع عهدا مع باي تونس. وينص هذا العهد على أن قسنطينة تكون تابعة لتونس، وأن سي مصطفى أخا العاهل التونسي هو الذي يتقلد مرتبة الباي فيها. (11) ولم يكن لهذا العهد أي مفعول، بل إنه ظل مجهولا من جزء كبير من السكان وبعد مدة قليلة من إبرام هذا العهد، وردت رسائل من تونس إلى مقاطعة قسنطينة، وحمل إلى عدد منها. إنها من الباي، وتقول أن قسنطينة كانت في الأزمنة الغابرة جزءا من مملكة تونس. وتقول أيضا أن الباي يعتزم استرجاع الوضع القديم، واستبدالي بأخيه أو بأي خليفة آخر يختاره وقد لاحظت أن هذه الرسائل لا تتكلم عن الفرنسيين أبدا. وكنت ممثلا فيها كرجل مستبد وكانت نهايتها دعوة إلى الثورة حتى أطرد من بايلك قسنطينة. (12)  وحينما أطلعت على محتوى هذه الرسائل قلت: إذا كان مثل هذا التغيير بإرادة من الله ومن شأنه أن يساهم في إسعاد الجميع، فإنني مستعد لقبوله. ثم أردت أن أعرف رأي الديوان في هذا الموضوع فجمعته وعرضت عليه ادعاءات الباي الواردة في الرسائل التي تكاثر عددها في كل مكان وبعد تفكير وتدبير فيما ينبغي فعله في هذه الظروف، تقرر أن يكتب الديوان رسالة إلى باي تونس، فكانت كما يلي:

    إن ما تقترحونه علينا لا يليق بنا مطلقا. إننا فرحون بحكم الباي أحمد ولا نريد استبداله. فكيف يمكن لكم أن ترغمونا على ذلك ألستم مثلنا، تابعين لخليفة اسطمبول وبأي عنوان تطالبوننا بالطاعة إن السلطان محمود وحده هو الذي يستطيع أن يقرر تقسيم أملاكه، ولو أننا دعينا إلى اختيار سيد غير السلطان الشرعي، فاننا، وبكل صراحة، سنفضل احتلال الفرنسيين، لا حبا في الكافرين ولكن لأننا نعلم أن جوارهم سيجر لنا الحرب إن آجلا أو عاجلا ولأننا سنتعرض لهجوماتهم ولن تستطيعوا شيئا ((لحمايتنا)).

    وقد وقعت هذه الإجابة عندما تأثر سكان قسنطينة من مزاعم الباي، كما تأثر الديوان من قبلهم وجاؤوني يقولون: انظر هذا ملك تونس، وهو ندلك قد تلقب بالباشا فلا بد أن تفعل مثله في اللقب وأن تضرب النقود على غراره فأرغمت على اتباع نصائحهم وعينت ابن عيسى خزناجيا وأمينا للسكة التي ضربت، كما هي العادة، باسم سلطان القسنطينية ثم قررت أن أحيط علما بكل ما جرى، من كنت أرى فيه سيدا لي وهو السلطان محمود رحمه الله.

    واغتاظ باي تونس من الرفض الذي لاقاه في قسنطينة، فكتب إلى اسطمبول يحرض علي ويتهمني بالطغيان. ويقول بأنني أثرت حقد جميع رعيتي. لقد علمت بذلك وعزمت أن أحارب الإدعاءات الكاذبة بلائحة يمضيها أهم القادة في مقاطعة قسنطينة. وضمنت رسالتي كل ما دار في الديوان بهذا الشأن وكذلك الرأي الذي تم التوصل إليه، وختاما قلت: إنك الآن تعرف كل شيء وأنت صاحب الأمر، فإنني أنتظر قرارك. ثم رجوته أن يرشدني إلى الطريق الذي يجب اتباعه. وكان كل من حضر قراءة هذه الرسالة موافقا على مضمونها فوضعت عليها خاتمي ووضع الأعيان خواتمهم ثم ذيلوها بملاحق تعبر عن رأيهم في حكمي وعينوا واحدا منهم ينقلها إلى سيدنا ومولانا ويؤكد له ما احتوت عليه.

    وكان سي علي بن العجوز، أحد أعيان قسنطينة، هو الذي كلف بأداء هذه المهمة، فأوفدت معه واحدا من عمالي، يدعى الحاج مصطفى. ومضت أربعة أشهر قبل رجوعهما، وفي هذه الفترة من الزمن وقع ما وقع من الأحداث الهامة التي يضطرني سردها إلى الرجوع إلى ما قبل الأحداث التي ذكرتها الآن.




    (10) - هو المارشال الذي يحكم الجزائر سنة 1830، ثم تولى قيادة جيش افريقية من سنة 1835 إلى سنة 1836 (ولد سنة 1772 وتوفي سنة 1842)
    (11) - المقصود هي معاهدة 18 ديسمبر 1830 التي لم توقع عليها الحكومة الفرنسية.
    (12) - كتب بارتوزين رسالة إلى المارشال سولت يوم 21/ 1831/2 يقول فيها بأن ذلك كان نتيجة مؤامرة دبرها صهر أحمد مع باي تونس.

    Next
    This is the most recent post.
    رسالة أقدم
    • Blogger Comments
    • Facebook Comments

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: مذكرات أحمد باي، الجزء الثاني Rating: 5 Reviewed By: Algeria Gate
    Scroll to Top