» » » » خرافة الوعد الفرنسي للجزائر بالاستقلال، دراسة نقدية، الجزء الثاني

خرافة الوعد الفرنسي للجزائر بالاستقلال، دراسة نقدية، الجزء الثاني
 
 
سمير خلف الله / بن امهيدي
 
كما أن ديغول ومن حوله كانوا يعتقدون وفي العام 1945 بأن الأوضاع في الجزائر مهددة لوجود الأمة الفرنسية كأمة كبرى وذلك عبر حرمانها من منطقة شمال إفريقيا إذا ما نجح الجزائريون في فصل الجزائر عنها ولهذا يجب التعامل بكل قسوة مع أي تهديدات للوحدة الفرنسية وأن فرنسا المنتصرة عازمة على عدم السماح لأي كان المساس بسيادتها على الجزائر ونحن نقتبس دوما من كتاب لزهر بديدة الحركة الديغولية في الجزائر 1940 / 1945 وبعد هذا نتحدث عن خرافة الوعد الفرنسي للجزائر بالاستقلال أثناء ح ع 2 . ترى لمن ستقدمه في تلك الحقبة لمصالي الحاج المسجون أم لفرحات عباس المرتاب في أمره أم للحزب الشيوعي الجزائري هذا الذي رحب بقدوم شارل ديغول إلى الجزائر رافعا شعار من أجل الوحدة من أجل الانتصار سيأتي ديغول إلى الجزائر وهنا لنفترض جدلا بأن ديغول عرض على أمثال هؤلاء الاستقلال فهل كانوا سيقبلونه ؟؟ أي تخريف هذا وهم يؤمنون بوحدة الجزائر وفرنسا ؟ .
 
وفي هذه الفترة فإننا نجد الجنرال هنري جيرو Giraud Henri الحاكم العام للجزائر قد رَدَّ على مطالب الجزائريين في 1943 بأنه مسؤول عن الحرب وليس عن السياسة وأنه يريد فقط انضمام الأهالي إلى الجيش الفرنسي ونفس الرؤية نجدها عند زميله بيرتون Biriton والذي كان رده واضحا على مطالب الحركة الوطنية بأن أنشأ : " لجنة الدراسات الاقتصادية والاجتماعية الإسلامية " كما أطلق  سراح مصالي الحاج والمساجين السياسيين الآخرين أما الجنرال كاتروGeorges Catroux  فقد رفض مجرد محاورة الجزائريين لكونه يؤمن فقط بأن الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا وأعلنها وبشكل صريح بأنه مشغول بالحرب لا بالسياسة . فأين هي هنا الوعود بالاستقلال في كل هذا ؟ . وما يدعم الكلام السابق هو ما يخبرنا به شيخ المؤرخين الجزائريين أبو القاسم سعد الله من أن أقصى ما تكرم به الفرنسيون خلال ح ع 2 هو الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية لبعض الجزائريين ممن شاركوا في تلك الحرب إلى جانب الفرنسيين وهذا بعيدا عن أي إصلاحات سياسية .
 
كما يخبرنا المؤرخ الكبير يحي بوعزير في كتابه سياسة التسلط الاستعماري والحركة الوطنية الجزائرية من 1800 إلى 1945 وهذا في معرض حديثه عن مؤتمر برازافيل والذي يعتبر كما يقول أصل الإتحاد الفرنسي بأنه قد نبذ أي المؤتمر كل فكرة تدعو إلى الحكم الذاتي في المستعمرات الفرنسية كما نبذ كل شيء في إمكانه أن يساعد التطور والتقدم خارج الكتلة الفرنسية ومعنى هذا أن العقد الاستعماري لم يتغير إلا في شكله حيث لا جدال حول فكرته الأساسية التي هي الخضوع التام لفرنسا مع السعي الحثيث لإدماج الأهالي فيها أما المادة ال 60 ونحن دوما نقتبس من يحي بوعزيز فحق التمتع بالاستقلال لا أثر لذكره في ذلك النص وتجنبا للإطناب فإننا لن نذكر نص هذه المادة وهو موجود في المرجع الذي نقتبس منه وهذه هي خطة عمل الحكومة الفرنسية أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية وعليه أين هو الوعد بالاستقلال الذي منحته فرنسا لمستعمراتها فضلا عن أقاليمها والجزائر أولها ؟ إنها مجرد خرافة تلك القائلة بأن فرنسا أعطت للجزائر وعدا للجزائر بالاستقلال أثناء ح ع 2 فما سبق يفضح وبشكل لا لبس فيه زيف تلك الأسطورة . كما أن الحكومة العامة وعلى لسان أمينها العام غازانييه Gazanier والذي قد استنكر على فرحات عباس اتصاله بالإنجليز والأمريكيين وأخبره بأن للحكومة الفرنسية جملة من الإصلاحات والواجب عليه مساعدتهم لكي ينزلونها إلى أرض الواقع وإلا فعليه أن يتوقع الأسوأ وهنا نقول مرة أخرى من وعد الجزائر بالاستقلال خلال ح ع 2 ؟ وأين نجد نص هذا الوعد الأسطورة والخرافة ؟ .
 
أما في الفترة ما بين 1947 / 1954 فالأمور تبقى على حالها من تسلط لسلطة استعمارية غاشمة ضمنت السلم في الجزائر لمدة عشر سنوات أخرى وهذا بتعبير الجنرال ريموند دوفال Raymond duval  وهذا عقب المجازر الرهيبة في الثـّامن من ماي 1945 كما أن الجزائر وإلى غاية 1956 قد كانت تقريبا تحكم من قبل الديغوليين فهم في الواجهة كإيف شاتنيو Yves Chataigneau  وسوستال Jacques Soustel مثلا وديغول في الخلفية وكلنا نعلم كيف تعامل من كان في الحكم في فرنسا من هؤلاء الديغوليين مع المسألة الجزائرية فكل شيء مباح ماعدا الاستقلال ومهما كان نوعه وهذا إلى غاية اندلاع ثورة نوفمبر المباركة في 1954 .
 
وهنا نصل إلى مرحلة مفصلية من تاريخ الجزائر المعاصرة والمتمثلة في ثورة التحرير الوطني ولمعرفة مدى مصداقية خرافة الوعد الفرنسي للجزائر بالاستقلال فعلينا أن نتتبع السياسة والمواقف الفرنسية تجاه الثورة من 1954 وإلى غاية 1962 والبداية تكون مع كتاب ردود الفعل الأولية داخلا و خارجا على غرة نوفمبر لمولود قاسم نايت بلقاسم والذي يخبرنا بأن وزير الداخلية الفرنسي فرانسوا ميتران قد زار الجزائر في 19 أكتوبر 1954 وركز على موضوع قدماء المحاربين والسكن وأكد على أن فرنسا هي فرنسا الأم والجزائر ومقاطعات ما وراء البحار والجزائر هي قطب الرحى ومركز قوة فرنسا ومن يعارضون هذا فسوف يرد عليهم بقوة القانون وعظمة الجمهورية والجزائر في نظر فرنسا شعبا وحكومة هي "  لحمنا ودمنا وعظمنا " فهل ستسمح فرنسا بانفصال جوهرة أقاليمها عنها وقطعة من جسدها ولحمها ودمها أي عبثية هذه ؟ .
 
أما رد فعل رئيس الحكومة الفرنسية بيير منديس فرانس  Pierre Mendès Franceعلى اندلاع الثورة وهذا في رده على نواب جزائريين فقد قال لهم :" لا تخافوا إنّ الأمة لن تسمح لأحد أن يخاطر بوحدتها وأنّ ليس هناك انفصال ممكن للجزائر عن فرنسا " . كما أكد بأن الجزائر فرنسية حيث قال : " إنّ الجزائر هي فرنسا ومن الفلاندر حتى الكونغو ليس هناك إلاّ قانون واحد وأمة واحدة وبرلمان واحد ، هذا هو الدستور وهذه إدارتنا ولا حق لأي أحد أن يشكّ فيها " . كما صرح بالآتي  : " لن نرحم المتمردين ، فلن يكون هناك تساهل ، فلا يمكن التساهل عندما تكون وحدة الجمهورية والسلام الداخلي للأمة معرضين للخطر ، وذلك أنّ العملات ( الولايات) الجزائرية جزء من فرنسا منذ مدة طويلة ، وسكانها يتمتعون بالجنسية الفرنسية ، ولهم تمثيلهم في البرلمان وقد برهنوا بكفاية عن تعلقهم بفرنسا ، بحيث لا يمكن أن تسمح فرنسا لأحد بأن يعرّض وحدتها للخطر " .
 
أما وزير الداخلية فرانسوا متيران François Mitterrand فقد صرّح أمام لجنة الشؤون الداخلية في البرلمان الفرنسي قائلا : " لا يمكن أن تكون هناك محادثات بين الدولة والعصابات المتمردة التي تريد أن تحل محلها"  كما أجاب النواب الشيوعيين فيما يخص القضية الجزائرية بالقول : " إنّه إذا كنا نقبل الحوار مع الوطنيين في البلدين المحميين( تونس والمغرب) وهما دولتان بالمعنى القانوني للكلمة ، فإنّ ذلك غير ممكن مع الجزائر التي هي مقاطعة فرنسية ، وجزء لا يتجزأ من فرنسا كما أن الثورة عنده هي عبارة عن : " تمرد بعض الأعراش ، وأن المتمردين عبارة عن مجموعة من اليساريين ينتمون إلى الشيوعية العالمية . والقاهرة هي التي تحضرهم على القيام بأعمال تخريبية".
 
كما صرح من جهة أخرى بأن : " هؤلاء المحركين من الخارج يقصدون بهذه العملية أن تساعدهم على عرض قضية الجزائر على هيئة الأمم المتحدة قريبا ، ضمن ملف المغرب الفرنسي " وأشار إلى : " أنّ المتمردين لن ينجحوا لأن ملف الجزائر أبيض لا مظالم فيه ولا شكاوي " ولكن واقع الحال قد كذب كل هذه الادعاءات الفرنسية وما كان ملف فرنسا الاستعمارية بالأبيض أبدا وكلنا يعلم عن ذلك الكم الهائل من الجرائم المرتكبة في حق المدنيين والأبرياء العزل طوال فترة الثورة الجزائرية الكبرى والمظفرة والتي من حقي كجزائري أن أعتز بها وإلى حد التقديس . فهل من يتبنى مثل هذه المواقف من القضية الجزائرية يمنحها وعدا بالاستقلال أي هذيان هذا ؟؟ ! .
 
وعندما نصل إلى ديغول فإننا نجده كغيره من فرنسيي عصره فحدود فرنسا عنده هي من الفلاندر La Flandre إلى الكونغو والجزائر تدخل ضمنها بل هي تمثل قلبها وهي أيضا عنده أي ديغول من دانكيرك Dunkergue إلى تمنراست وكثيرا ما يستخدم في مذكراته تعابير : " أراضينا في شمال إفريقيا " و : " ووحدة أراضينا الإمبريالية في إفريقيا الفرنسية " وأن التدخل في شؤون إفريقيا الشمالية حسبه هو : " تدخل مباشر في شؤون فرنسا الداخلية " والجزائر عنده وحسب الدستور الفرنسي هي : " الجزئية التي لا تتجزأ من فرنسا " وهو هنا يتبنى نفس نظرة اللجنة الافريقية ودستور 1848 من الجزائر الفرنسية وهي النظرة التقليدية التي يُـجمع عليها غالبية الفرنسيين .
 
وللوقوف على حقيقة موقف ديغول من المسألة الجزائرية علينا أن نتتبع كيف تطور موقف الرجل منها وهذا تبعا للمتغيرات الدولية والإقليمية والداخلية سواء داخل فرنسا المركز أو الجزائر المحتلة وموقفه تطور طبعا نتيجة لتلك المتغيرات ومتى استطعنا أن نتتبع سير الأحداث تمكنا من تجاوز ذلك الغموض عند البعض والذي يطبع موقف ديغول من القضية الجزائرية خاصة وأن الرجل يستخدم عبارات تحتمل عدة قراءات وتأويلات كما أنه يوحي لقارئها غير المتخصص في تاريخ الجزائر بأنه قد عزم على تصفية القضية الجزائرية وذلك عبر الإقرار والاعتراف بحقها في الاستقلال وهنا نحن علينا أن نفكك موقف الرجل بغية الوقوف على الخلفيات التي دفعته إلى السير في هذا الاتجاه وهل الاعتراف باستقلال الجزائر كان مفروضا عليه لعوامل داخلية وخارجية تتجاوزه وبالتالي فالرجل لم يكن مخيرا في مسألة استقلال الجزائر والذي قد كان تحصيل حاصل حتى ولو غادر ديغول السلطة لظرف ما ولو كان الاغتيال كما يخبرنا بهذا المؤرخ بنيامين ستورا أم انه كان يمكنه أن يسير معاكسا للتيار في محاولة عبثية لجعل وجود الجزائر الفرنسية ممكنا في الزمن ولكن الجزائر الجزائرية ولا نقول الجزائر العربية المسلمة والتي لم تظهر بعد نقول بأن الجزائر الجزائرية عمليا هي موجودة على أرض الواقع وهي دولة قائمة ومسألة استقلالها هي مسألة وقت لا أكثر ونحن هنا لا نلوم ديغول على غموضه فيما يخص المسألة الجزائرية فالرجل لم يكن هينا عليه التخلي عليها وهي من تمثل مجد وفخر فرنسا وبالأمس القريب فقط ولكن الأمر ليس بيده فالطلاق قد حدث نتيجة لظروف قاهرة له ولكنه كان بحاجة إلى تهيئة الظروف حتى تتم عملية الانفصال لأن هناك مراكز قوى مضادة تضغط عليه وفي الاتجاه المضاد كغلاة الكولون وأنصار الجزائر الفرنسية وبالتالي فهو قد كان بحاجة إلى الوقت ريثما يستطيع تقليم أظافرهم وتحييدهم ومن هنا جاء الغموض فهو يلعب على عدة حبال وفي وقت واحد ولهذا فقد كان يطلق تصريحات تحتمل عدة تأويلات تبين في الأخير أن الرجل لم يكن يعبر عمّا يريده الكولون وأنصار الجزائر الفرنسية .

والمستوطنين الذين رؤوا في إقرار ديغول بحق الجزائريين في تقرير المصير ما هو إلا تضحية بالمصالح العليا لفرنسا قد كانوا على خطأ في هذا الأمر لأن المؤرخين يخبروننا بأن الكولون هنا يرتكبون مغالطة واضحة ذلك أنهم لا يفرقون بين مصالح الدولة الفرنسية ومصالحهم هم والتي رأي ديغول أنه من الحكمة التخلص منها لكونها تتصادم ومستقبل الدولة الفرنسية وهي خطيئة لم يغفرها غلاة الكولون له حتى أنهم حاولوا اغتياله وهذا من بعد أن رفعوا شعار الموت لديغول .
 
ومع كل هذا فديغول يعلنها في مذكراته وبشكل واضح وصريح من أنه كان يحلم ويود ويرغب ويتمنى بأن تصبح الجزائر فرنسية كما أصبحت وبقت فرنسا رومانية من عدة أوجه ولئن كان هذا هو حلم الرجل فكيف يأتي اليوم من يدعي بأن الرجل كان قد وعد الجزائر بالاستقلال ولذا فعلينا أن لا ننظر إلى ديغول نظرة انشطارية تفصله عن مجرى سير الأحداث في الجزائر فالرجل هو حلقة من حلقات السياسة الفرنسية المنتهجة تجاه الجزائر وثورتها ولكنه كان آخر حلقاتها .
 
علما أنه وإلى غاية 1961 كان هناك من لا يزال يحلم بالجزائر الفرنسية وعلى رأسهم الجنرال زيلر André Zeller وشال Challe ولا ننسى من قبلهم غلاة الكولون والذين أوصلوا ديغول إلى السلطة وفي اعتقادهم أنه هو من سوف ينقذ الجزائر الفرنسية من الزوال والاندثار وكان هذا وكما هو معلوم للجميع في العام 1958 ولهذا فهو قد جاء إلى السلطة ليطبق أجندة الذين أوصلوه لها وهم غلاة الجزائر الفرنسية ولذلك فقد أعلن في 04 جوان 1958 في الجزائر من أنه ابتداء من اليوم إن فرنسا تعتبر أنه لا يوجد في الجزائر كلها إلا فئة واحدة من السكان إنه لا يوجد إلا فرنسيون كاملو الحقوق وانتهى كلام الجنرال .
 
ولهذا فديغول قد فعل المستحيل ليبقى الجزائر فرنسية ولكنه فشل فشلا ذريعا أمام عزيمة الجزائريين والتي لن تقبل بغير الاستقلال بديلا فها هو السيد رضا مالك رجل السياسة الجزائري ورئيس حكومة سابق يخبرنا بأن مظاهرات 11 من ديسمبر 1960 قد كانت ديان بيان فو بسيكولوجي ولهذا والكلام دوما له فديغول قد فهم أخيرا أنه لم يعد هناك أي شيء يجب القيام به في الجزائر ولذلك فهو وبشهادته أي ديغول فهو عندما رجع إلى فرنسا فإنه أمر بفتح باب المفاوضات مع جبهة التحرير الوطني ولذا فقد كتب في مذكراته قائلا : " إذن ، أصبحت متأكدا أكثر من أي وقت مضى ورغم أننا نضيع الرجال والمال سدى في محاولتنا فرض الجزائر الفرنسية ، وإن السلم لن يأتي إلا بمبادرات سياسية في اتجاه آخر وعلى فرنسا أن تفعل ذلك " . ومن جهة أخرى فمواصلة حرب الجزائر لأمر مستحيل لكونها : " ستعرض جيشنا ووحدتنا الوطنية إلى خطر ، لأن طبيعة العمليات تؤدي حتما إلى انقسام قواتنا".  و : " لأجل ذلك ، فإنني تعمدت مخاطبة الضباط المسؤولين عن العمليات قائلا : إذا كان نجاح العمليات الجارية أساسي ، فإن المشكل الجزائري لن يجد حله إلا إذا حصلنا على موافقة الجزائريين ... وأن عهد الإدارة بواسطة الأوربيين قد انقضى " وفي خطاب توجه به إلى الأمة الفرنسية قال فيه على الخصوص:  " في السادس عشر من شهر ديسمبر فتحت طريق مستقيمة وواضحة ، الطريق الموصلة إلى السلم فحق الجزائريين في تقرير مصيرهم هو الحل الوحيد من الدوامة المعقدة والمؤلمة  أنني مرة أخرى ألتفت باسم فرنسا إلى قادة الثورة إننا ننتظرهم هنا لنجد معهم نهاية مشرفة للمعارك التي تتواصل حتى الآن . بعد ذلك سيتم كل شيء لكي تعطى الكلمة إلى الشعب الجزائري وهو مطمئن البال وسوف لن يكون القرار إلا ما يقرره هو بنفسه " وعليه فديغول قد كان متمسكا بالجزائر طالما هي لا تؤدي إلى إراقة الدماء الفرنسية ولا إلى خسارة أموالها وتمزيق وحدتها ولئن كان يجب التضحية بها لتجنب ما سبق ذكره فليكن وهذا ما كان فعلا خاصة وأن الإدماج في نظره لم يكن ممكنا فلتصبح العلاقة إذن علاقة شراكة تضمن فيها مصالح فرنسا وعليه فالرجل كان واقعيا وبراغماتيا ومنطقي وعقلانيا أيضا .
 
وجاء في حوار بجريدة صوت الأحرار الجزائرية مع المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا وهذا في معرض رده على سؤال حول إذا ما كانت موت ديغول في تلك الحادثة أي في حادثة محاولة اغتياله سيؤثر على استقلال الجزائر قال ستورا إن استقلال الجزائر كان أمرا مفروغا منه ولا مرد له خاصة بعد الإعلان عليه يوم 3 جويلية 1962 كما أن الجنود الفرنسيين الذين كانوا بالجزائر لم يكونوا ليفكروا إلا في القنينة وعليه فلست أرى كيف كان يمكن لموت ديغول أن يؤثر على استقلال الجزائر والكلام هنا نحن نقتبسه من الجريدة المذكورة آنفا وما يدعم الرأي السابق هو ما يخبرنا به السيد دحو ولد قابلية رئيس الجمعية الوطنية لمجاهدي التسليح والاتصالات العامة أثناء الثورة ويكشف لنا عن رسالة بعث بها ديغول إلى المفاوضين الفرنسيين حيث طلب منهم بالحرف الواحد : " التنازل عن كل شيء إلا عن شرف فرنسا " وهذا ما جعل كل من آلبير كامو Albert Camus وغيره كثر يعتقدون بأن الشعب الجزائري مع جبهة التحرير الوطني قد أجبروا فرنسا والجنرال ديغول على منح الاستقلال للجزائر .
 
كما لا يجب أن يغيب عنا العامل الخارجي والذي فرض على ديغول الإقرار باستقلال الجزائر وخاصة  الضغط الأمريكي عليه حيث صرح جون كنيدي بأن سياسة الو م أ يجب أن تكون واضحة ومؤيدة لاستقلال الجزائر حتى ولو أدى هذا إلى تحطيم الصداقة الفرنسية الأمريكية وهذا من بعد أن كانت فرنسا تحظي بالتأييد المطلق لها في الجزائر وهذا ما نجده في تصريح دوغلاس ديون Douglas dion  سفير الولايات المتحدة في باريس حيث قال : " إن السياسة الفرنسية في شمال إفريقيا تحظى بالتأييد المطلق من الولايات المتحدة إننا سنساعد فرنسا في الجزائر ففي المجال الدبلوماسي مثلا بمعارضتها تسجيل قضية الجزائر في الأمم المتحدة ، وفي المجال العسكري بإمدادها بالطائرات العسكرية وغيرها من الوسائل والتجهيزات لأن الجزائر تكون جزء لا يتجزأ من الأراضي الفرنسية " لا لشيء سوى لأن أولويات الو م أ قد تغيرت وهذا من بعد احتدام صراع الحرب الباردة وخاصة في جبهة الفيتنام الملتهبة ولكن القضية الجزائرية هي قضية تحرر وطني ولا تدخل في إطار الحرب الباردة وبالتالي فهي لا تشكل خطرا على الو م أ ولذا وجب تصفيتها للتفرغ للقضايا الأهم أما الإتحاد السوفياتي فقد تغيرت مواقفه وبصورة جذرية لصالح استقلال الجزائر وهذا لأسباب يطول شرحها وليس هذا محلها وعليه ففرنسا وجدت نفسها معزولة دوليا فرضخت للأمر الواقع خاصة وأنها أكلت رؤوس أموالها في الجزائر وفي غيرها من المستعمرات حيث أصبحت تنفق عليها ما مجموعه 148 مليار فرنك فرنسي وفي مشاريع غير منتجة مما دفع بالفرنسيين إلى اعتناق فكرة إسقاط المستعمرات لإنقاذ فرنسا الأم وهذا الكلام نقتبسه من كتاب الاستعمار الفرنسي لمحمد حسنين وفيما يخص الجزائر فها هو ديغول يصرح بما يلي : " الجزائر تكلفنا أكثر مما نربح منها " وعليه فالحل هو في انفصالها عنا . " .
 
وعليه فأحببنا أم كرهنا فإن استقلال الجزائر قد جاء نتيجة لفشل إستراتيجية فرنسا في القضاء على الثورة ووأدها في مهدها كما يقال فها هو الجنرال بول شاريير Paul Charrière توجه إلى منطقة الأوراس للقضاء على مهد الثورة هناك ولكن محاولاته فشلت وهذا خاصة من بعد هجومات الشمال القسنطيني البطولية مما جعل فرنسا تغير من نظرتها تجاه مجاهدي الثورة المباركة فلم تعد تنعتهم بالفلاڤة " Fellaga " والإرهابيين وإنما أصبحت تطلق عليهم نعت الثوار وهو تطور نوعي في النظرة الفرنسية فمن مجرمين إلى ثوار وكلنا يعلم بأن للثوار حقوق وفق القوانين والمعاهدات الدولية ولم يعودوا مجرد عصابات وقطاع طرق ليس لهم أية حقوق وإنما مصيرهم هو تطبيق القانون وبكل صرامة عليهم وهذا يعني قتلهم من دون أية رحمة وفرنسا الاستعمارية أصلا قد عملت على شيطنة ثوار الجزائر الأشاوس وهذا من أجل تشويه صورتهم أمام الرأي العام المحلي والدولي ولو أنها استطاعت أي فرنسا أن تستأصل شأفتهم لما توانت لحظة واحدة ولكن موجة الثورة الجزائرية كانت أعلى منها . نعود ونقول بأنه ومن بعد أن اعترفت لهم بصفة الثوار فها هي ترغم مرة أخرى على التنازل لصالح الثورة الجزائرية وهذا عندما طرحت مشروع سلم الأبطال " La paix des braves  " The peace of the brave  وهدفه وحسب سيلفي تينو sylvie tino مسؤولة الأبحاث في المركز الوطني للبحوث العلمية CNRS هو استسلام المجاهدين وهي تسميهم الثوار ورؤوسهم مرفوعة بهدف أن تنطلق الجزائر الفرنسية مجددا وعلى قواعد جديدة " كما هو أيضا مراوغة من فرنسا تهدف من ورائها إلى القضاء على الثورة الجزائرية وبأقل التكاليف وتحقق نصرا تعيد به العذرية المفقودة لشرفها العسكري مرة أولى في الفيتنام ومرة ثانية في الجزائر ولكن رفض الثورة لهذه المراوغات الفرنسية مما جعل ديغول يصطدم بحائط الثورة الجزائرية وأن لا مخرج له من هذا المأزق سوي الاعتراف بالأمر الواقع والإقرار ومن موقف الأضعف باستقلال الجزائر .
 
كما أن المشاريع غير العسكرية والدبلوماسية هي الأخرى قد فشلت في القضاء على الثورة الجزائرية فرئيس الحكومة بيير منديس فرانس قد صرح قائلا : " بعد عودة الأمن والنظام ، سنزيل البؤس عن العمال الجزائريين في فرنسا ، وعلى الجزائريين في بلادهم ، فالمشكل هو قبل كل شيء اقتصادي واجتماعي ، وسنخلق ظروفا في الجزائر تساعد على ضمان الحياة الراغدة ، التي تريدها فرنسا لجميع أبنائها".  وترجم هذا الكلام على شكل مشروع جاك سوستال الإصلاحي بعد أن أصبح حاكما عاما للجزائر في العام1955  ومشروع ديغول المعروف بمشروع قسنطينة في العام 1958 ولكن هذه المشاريع الإصلاحية وكما يقول الدارسون لتاريخ الجزائر قد تجاوزها الزمن فهي مطالب للجزائريين في العام 1919 أما ما بعد 1945 فقد تغيرت المطالب وبصورة جذرية فالمطالب الإصلاحية لم تعد تهم الجزائريين الذين أصبحوا يطالبون بالاستقلال التام وهذا ما لم تفهمه الإدارة الفرنسية في بدايات الثورة أو تجاهلته ولكنها وصلت إلى هذه القناعة وبصورة متأخرة فما كان منها سوي الاعتراف بالأمر الواقع والمتمثل في استقلال الجزائر خاصة وأن فرنسا لم يستدعها أحد للقدوم إلى الجزائر وإنما وجودها فيها هو نتيجة اعتداء عليها وضد إرادة شعبها والذي بقي يتحين الفرصة لطرد المستعمر الغاصب لأن جذوة المقاومة لم تنطفئ بداخله مطلقا ورضخ له الجزائريون رغما عنهم لكونهم شعبا مغلوبا كما عبر عن هذا الأمير خالد ولكن عيونهم كانت دوما صوب ما قاله آباؤهم وأجدادهم لأوائل الغزاة والله ستخرجون من الجزائر حتى من بعد 300 سنة كما هو حال الأتراك وعلق أحدهم بالقول ولكن الأحفاد طردوهم في نصف المدة وهذا ما كان يجب أن تفهمه فرنسا ومن البداية ولكنها كانت تتمسك بحبال من الوهم بددتها الثورة الجزائرية المباركة . خاصة وأن التاريخ يخبرنا بأنه ومن بعد مجازر العار مجازر 08 ماى 1945 قد أصبح في الجزائر سوي شعبين واحد عربي بربري مسلم والآخر أوروبي وكانت المواجهة بينها حتمية والبقاء في الجزائر لأحدهما وفقط وهذا ما صدقه التاريخ وبالتالي فكل إجراءات ديغول وغيرها ما هي إلا مسكنات ومحاولات عبثية لجر عجلة التاريخ بعيدا عن مجراها الحقيقي .
 
كما وأن نجاح المشاريع الإصلاحية الفرنسية أو فشلها لم يكن يهم الجزائريين فمطالبهم واضحة فهي تتمثل في الاستقلال ولا شيئا آخرا فها هو الأمين دباغين وفي خطاب له في البرلمان الفرنسي يقول : " هل يعني أن الاستعمار لو تجسد ماديا في تحسين معاش السكان المسلمين كان يمكن أن يقودنا إلى النظر بعين الرضا لضياع شخصيتنا وسيادتنا وثقافتنا كل هذا غير صحيح حتى لو تمكنت فرنسا من إنجاز العجائب فيما تسميه بمستعمرة الجزائر وحتى ولو كانت حقيقة كل الأكاذيب التي تروج لصالح الاستعمار وحتى لو أن الشعب الجزائري يكون قد أصبح بفضل السيوف الفرنسية الشعب الأكثر سلامة والأكثر ثقافة والأكثر ازدهارا . " ونفس الموقف يذكره ديغول في مذكراته وهذا حين سأل في مدينة سعيدة طبيبا عربيا ملحقا بالقوات العسكرية الفرنسية عن رأيه فأجابه : " إن ما نريده ونحتاج إليه هو أن نكون مسئولين عن أنفسنا وألا يكون أحد مسئولا عنا " ولهذا فلما فشلت سياسة ديغول ذات الأبعاد المختلفة في القضاء على الثورة الجزائرية لجأ إلى المفاوضات وهذا لكي يحقق بالسياسة ما عجز عن تحقيقه بالحرب وليضمن من جهة أخرى مصالح فرنسا وكل من يرتبط بها في الجزائر وهذا عندما تنال الأخيرة استقلالها .
 
 كما لا يجب أن ننسي بأن اهتمامات فرنسا أيام ديغول أي في الفترة ما بعد 1957 قد تغيرت وبصورة جذرية فهي لم تعد تنظر إلى الماضي وتتمسك به بل أصبحت عينها على المستقبل وهذا ما نستنتجه حينما يخبرنا به الرجل من أن حل انفصال الجزائر عن فرنسا : " ليس بدافع حركة التحرر الواسعة التي أثارتها الحرب العالمية ونتائجها في جميع أنحاء العالم وإنما لأنه بدا لي أن إبقاء فرنسا مرتبطة بالتزامات وأعباء تتعارض مع مقتضيات عظمة فرنسا وإشعاعها لا يتفق مع مصلحتها الحالية وطموحها الحديث " .
 
ولأجل هذا فلا يجب أن يغيب عن أذهاننا بأن فرنسا القرن العشرين وكما يقول الخبراء ليست هي فرنسا القرن التاسع عشر حيث كان مستقبلها مرتبط بالجزائر درة مستعمراتها بها المواد الأولية وخيرات لا متناهية تستنزف في زمن الغفلة ولكن جزائر عقد الخمسينات من القرن العشرين أصبحت عبء على فرنسا بدلا من أن تكون خزان يفيض عليها بالخيرات وهذا نتيجة تكلفة الحرب الباهظة وكلنا يعلم بأن فرنسا قد خرجت من ح ع 2 مدمرة ودولة من الدرجة الثانية ثم جاءت الثورة الجزائرية لتستنزف مواردها وحصتها من مشروع مارشال وهذا ما كان سيفقدها ما تبقى لها لصالح اليابان وألمانيا الصاعدة والصين هذا من جهة ومن جهة أخرى لا ننسي بأن أوروبا في هذه الحقبة تتجه نحو المستقبل لاستعادة مكانتها المفقودة ضمن إطار الاتحاد الأوروبي والذي يمثل مستقبل فرنسا المشرق والواعد وهنا وقعت فرنسا أمام خيار صعب فإما أن تتمسك بالجزائر الماضي والذي لم يعد يفيدها كثيرا بل أصبح سبب تقهقرها أو أن تختار ألمانيا والاتحاد الأوروبي الواعد والذي هو بديل أفضل آلاف المرات من الجزائر المحتلة ولئن اضطرت الظروف فرنسا أن تختار فستختار حتما الإتحاد الأوروبي من دون الجزائر وسوف تتخلص من الأخيرة أي من الماضي لحساب المستقبل وهذا ما اختارته وهذا ما ينفي أكذوبة أن ديغول قد منح الاستقلال للجزائر لأن الرجل كان أمام خيارين اضطرته الظروف ليختار أوروبا من دون الجزائر ولو كان بإمكانه الاحتفاظ بالجزائر مع الإتحاد الأوروبي لما تواني لحظة واحدة في سلوك هذا الطريق فالرجل أي ديغول كان مرغما على منح استقلال الجزائر ولم يكن له في ذلك خيار أبدا .  وديغول وكما يخبرنا المؤرخ بنيامين ستورا لم يكن متحمسا لبقاء الجزائر فرنسية وإنما هدفه هو كيفية الحفاظ على المصالح الفرنسية بها ولو استطاع أن يبني معها شراكة على نموذج الكومنولث لبريطاني لما تأخر لحظة واحدة ولذلك فهو لم ينطق بعبارة الجزائر الفرنسية سوى مرة واحدة في جوان 1958 وكان هذا بمستغانم لكونه يرى بأن الزمن قد تجاوزها .
 
كما أن ديغول فرضت عليه الظروف الاعتراف باستقلال الجزائر والتي أصبحت حسبه صندوق أحزان كما أنه يقر وهذا في مذكراته دوما بأنه قد أقدم على إنهاء السيطرة الاستعمارية عامدا معتمدا تلك السيطرة التي كانت تعد مجيدة في الماضي ولكنها اليوم عبئا ماليا لا يطاق ولذا وجد بأنه من الأفضل على فرنسا أن تستبدل نظامها الاستعماري بفكرة التعاون مع المستعمرات السابقة مما يضمن لها آمالا باسمة في المستقبل وهذا عبر التخلص من المصاريف الضخمة لإدارة المستعمرات وإرسال الجيوش إليها وعلى العمليات الحربية هناك وفي مقابل هذا ستستفيد فرنسا وهذا بضمانها استيراد المواد الخام وتصدير المواد المصنعة وبقاء لغتها وثقافتها في تلك المستعمرات وبعد كل هذا نأتي ونتحدث عن منح ديغول الملاك الطيب القلب الاستقلال للجزائر حبا منه لعيون الجزائريين ؟ ! وما يعزز هذا الرأي هو أن ديغول كان يؤمن بالجزائر الجزائرية أي جزائر لكل سكانها بما فيهم العنصر الأوروبي المستوطن ولذا لم يتفوه بعبارة الجزائر الفرنسية سوى مرة واحدة كما مر أعلاه وتفسير هذا الأمر نجده فيما يخبرنا به المؤرخ بنيامين ستورا وهذا حينما يقول : " وهذا لرغبة ديغول في تنظيف أوربا من بقايا المستعمرات ، وخصوصا التخلص من مجموعات المسلمين ، كونه لم يتصور أبدا إمكانية دمج المسلمين من أصل جزائري في المجتمع الفرنسي وتمتعهم بكامل حقوقهم ، معتبرا أن تاريخ الأمة الفرنسية أنتجته الحضارة المسيحية فقط ، حيث كانت نظرته إلى الثقافة الإسلامية على أنها جسم دخيل " ولم يكن يؤمن أبدا بالجزائر العربية المسلمة والتي لا يمكن أن يتعايش معها ديغول مطلقا وهنا ديغول كانت تحكمه النظرة الوطنية في تعامله مع القضية الجزائرية فهو وكما تخبرنا به مذكراته يحتكم إلى ثلاثة أمور الاقتصاد الفرنسي ووحدة الشعب الفرنسي ووحدة الجيش الفرنسي وبعدها فليكن ما يكن إن احتفظنا بالجزائر وهذه الأمور الثلاثة فهذا الأفضل أما الاحتفاظ بالجزائر دونها فهذا أمر محال ولتستقل الجزائر وقبلها تبقى دوما المصالح الفرنسية وهذا ما يخبرنا به المؤرخ بنيامين ستورا دوما والذي يقول : " إذا انتهج مبدأ الحكم الذاتي فهذا ليس لأنه يحب الجزائريين أو لأنه يريد الاستقلال ويأبه لأمر الشعب المحتل ، لقد كان يفكر في مصالح فرنسا ليس أكثر ، فما مصالح فرنسا ؟ إنها الخروج من وضع الاحتلال وإيجاد علاقات جديدة بين فرنسا ومستعمراتها السابقة أو ما يسمى اليوم الاستعمار الجديد " . والذي يضمن فيه لفرنسا مصالحها بشمال إفريقيا والجزائر في قلب هذا الشمال طبعا وهذا بعيدا عن مفاهيم القرن ال 19 الاستعمارية والتي لم تعد مناسبة في القرن العشرين لكونه تجاوزها ولهذا طور ديغول نظرته إلى المستعمرات الفرنسية فمن وضع المستعمرة إلى وضع الشراكة مع الاستقلال وهذا مناسب في وقته ولذلك فقد أقر باستقلال الجزائر ليس حبا فيها ولا اعتراف بحقها ولكن الظروف الدولية والإقليمية والمحلية قد كانت أقوى منه وقد يقول قائل ولمَا ديغول لم يصرح بأفكاره هذه ومنذ البداية الإجابة هنا بسيطة لكونه قد كان محاطا بغلاة المستوطنين والعسكر وبالتالي انتظر حتى أثبتت الأيام عقم مشاريعهم وفشلها في حل القضية الجزائرية وعندها أصبح بديله جاهزا وأنزله على أرض الواقع .
 
وفي الأخير نقول بأن الادعاء بأن فرنسا قد وعدت الجزائريين بالاستقلال وعليه فقد كان هذا الأخير هبة ديغولية لها لفيه الكثير من الاستخفاف بعظمة التضحيات التي قدمتها الجزائر واستخفاف بضريبة الدم غير المسبوقة في تاريخ الدول المستعمرة والتي قدمهما الشعب الجزائري وعلى مدى 132 سنة من الليل الاستعماري البغيض حتى استرجع سيادته المسلوبة وحريته المصادرة وأراضيه المغتصبة وهي مغالطة من أصحابها ودعاتها والذين وجدوا أنفسهم عراة من أية شرعية تمكنهم من الحديث باسم الشعب أو حكمه إذن فلنميع نضال الجزائر حتى يتساوى الجميع فتكون هنا ثغرة لتنفيذ الأجندات المختلفة ونحن هنا نتحدث عن صراعات سياسية واقتصادية بعيدا عن أي تخوين أو طعن في وطنية أي كان ومهما كان لأننا نرفض أمرين رفضا قاطعا التخوين باسم الوطن واحتكار الوطنية والتكفير باسم الدين واحتكار هذا الأخير أيضا لأن في هاتين الخطيئتين خراب ودمار الدول والأمم والشعوب .
 
كما وإن استقلال الجزائر لا يخرج أبدا عن إطار القاعدة القائلة بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة ولذلك فقد غيب اعتداء 1830 سيادة الجزائر بالقوة والتي كانت تفتقدها هذه الأخيرة ولكنها ومتى اكتسبتها فإن شعبها قد فتح مسارا جديدا في التاريخ بحيث اختفي الكيان الشاذ والذي أقامه الاستعمار والمتمثل في الجزائر الفرنسية لصالح الدولة الجزائرية وهي التي لها وحدها من لها الحق في الوجود وهذا بأبعادها العربية البربرية الإسلامية وهذا هو الأمر الطبيعي والذي يجب أن يستمر في الزمن وأمانة الأمانات في عنق كل جيل .
 
المجد والخلود لشهداء الجزائر الأبرار وتحية إجلال وإكبار لكل من جاهد في سبيلها وهذا من العام 1830 وإلى غاية 1962 وعاشت الجزائر وطننا المفدى حرة وعزيزة وأبية .
 
الطارف / الجزائر
 
 
مراجع المقال

- أبو القاسم سعد الله الحركة الوطنية الجزائرية 1930 – 1945 ج 2 و 3 دار الغرب الإسلامي ط 4  بيروت 1992
- يحي بوعزير سياسة التسلط الاستعماري والحركة الوطنية الجزائرية من 1800 إلى 1945 دار البصائر للنشر والتوزيع 2009
- لزهر بديدة الحركة الديغولية في الجزائر 1940 / 1945 شمس الزيبان للنشر والتوزيع 2013
- محمد حسنين الاستعمار الفرنسي ط 4 المؤسسة الوطنية للكتاب 1986
- محمد العربي الزبيري تاريخ الجزائر المعاصر ج 1 وج 2 اتحاد الكتاب العرب 1999
- مولود قاسم نايت بلقاسم ردود الفعل الأولية داخلا و خارجا على غرة نوفمبر دار الأمة الجزائر 2007  
- موسوعة ويكيبيديا
 - عبد الحميد زوزو نصوص ووثائق في تاريخ الجزائر المعاصر 1900  /  1830المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر 1984 
- جريدة صوت الأحرار الجزائرية
- Mahsas Ahmed Le mouvement révolutionnaire en Algérie de la Première Guerre Mondiale à 1954 Essai sur la formation du mouvement national Alger 2007

عن المدون Algeria Gate

بوابة الجزائر موقع تثقيفي يُعنى بالشأن الجزائري خصوصا دون الحصر و يرحب بمشاركة القرَّاء.
»
السابق
رسالة أقدم
«
التالي
رسالة أحدث

ليست هناك تعليقات :

ترك الرد