الفرنكوفونية ايديولوجيا وأداة

 

الفرنكوفونية ايديولوجية وأداة


الجذور الايديولوجية للفرنكوفونية


زعم الأديب الفرنسي فولتير Voltaire (1788 - 1700)، أن اللغة الفرنسية وصلت مستوى الكمال على أيدي أدبائها أمثال موليير Molière (1673 - 1622)، وراسين Racine (1699 - 1639)، ولهذا فإنها غير قابلة للزيادة أو النقصان. وذهب أنطوان دي ريفارول Antoine de Rivarol (1801 - 1753) إلى أبعد من ذلك بالغلو في كمال اللغة الفرنسية إذ قال : "إن كل ما ليس واضحا فليس بفرنسية".

وما زالت تلك الرؤية الفرنسية نحو لغتها وثقافتها سارية إلى يومنا هذا، وتسعى فرنسا من خلالها إلى تكریس الهيمنة الفرنسية على الشعوب الأخرى بتهميش الثقافات واللغات المحلية والظهور على حسابها. لذلك فإن فرنسا في العصرالإستعماري لم تدخر جهدا في محاربة اللغات المحلية في کل بلد تحكمت فيه، ومنع تدريس تلك اللغات أو التعامل بها رسميا. [طالع منشورنا عن الحالة الجزائرية من خلال مرسوم شوطون]
 

المصطلح اللغوي لأصل الفرنكوفونية


يرجع مصطلح الفرنكوفونيّة Francophonie في نشأته إلى الجغرافي الفرنسي “ أونزيم ريكلوس” Onésim Reclus    (1916 – 1837) والذي وضعه سنة 1880 خلال دراسته للغات العالم. وأشار بهذا المصطلح إلى ظاهرة التوزيع الجغرافي للغة الفرنسيّة في شتى أجزاء القارات الخمس. ونظرا للمحيط العلمي البحت الذي وُضع مصطلح الفرنكوفونيّة في إطاره؛ فإن هذا المصطلح لم يكتب له السُّريان والشيوع لا في المحيط العلميّ والثقافي اللذين نشأ فيهما ولا في مجالات علمية أو معرفية أخرى.

التوظيف السياسي للفرنكوفونية


أما اكتساب هذا المصطلح بُعده الجديد وحضوره الفعلي؛ فقد حدث أوائل النصف الثاني من القرن العشرين وبالتحديد عام 1962م‏ في الوسط السياسي والثقافي عبر كتابات وتنظيرات رجالات سياسية مؤثرة من غير الفرنسيين - لكن بإيحاء فرنسي - علی رأسهم : لیوبولد سیدار سنغور Léopold Sédar Senghor رئيس دولة السنغال الأول بعد استقلالها عام 1960م‏ والحبيب بورقيبة Habib Bourguiba  رئيس جمهوريًة تونس وملك کمبودیا الأمير نورودوم سيهانوك Norodom Sihanouk‏ وحماني دیوري Hamani Diori رئيس جمهورية النيجر وشارل حلو Charles Helou رئيس لبنان‏ وجان مارك ليجي Jean-Marc Leger‏ من كندا الفرنسية (كيبيك) الذي أصبح - فيما بعد - السّكرتير العام للجمعية الثقافيّة التقنية الفرنكوفونية (ACTF)‏

عليه؛ فإِن الفرنكوفونيّة سرعان ما تحؤلت إلى حركة فكرية ذات بعد أيديولوجي تهدف إلى تخليد قيم (فرنسا الأمٌ) في كل مستعمراتها التي خرجت منها عسكريا وذلك من خلال اعتماد اللغة الفرنسية بوصفها ثقافة مشتركة بين الدول الناطقة بها کلیاً أو جزئیا.

وكان المنبر الفكري الذي صدح عليه أولئك السياسيون وأمثالهم وروجوا للفكر الفرنكوفوني من خلاله، منشورات مثل مجلة “روح” Esprit خصوصا في عددها الخاص المعنون "اللغة الفرنسيّة لغة حية" Le Français langue vivante ‏ إذ أشاد فيه «سنغور» وأمثاله باللغة الفرنسية بوصفها لغة الفكر والحضارة الحقة، ودعوا إلى ضرورة تعميمها وعولمتها في جميع مجالات الفكر والثقافة خصوصا في المستعمرات القديمة والشعوب التي ما زالت تسير في سبيل النهوض الحضاري.

وهكذا يظهر جليا تبلور هذا المصطلح على أيدي الساسة؛ وتجدد ‏ بعثه في إطار مُسَيَّس بعيد عن إطاره الأصل، فكان من الطبيعي أن تصطحب هذا الإنزياح للمفهوم نوايا مبطنة وانحرافات خبيثة.

فلا عجب أن الفرنكوفونية لم تعد تعني انتشار المشتركين في النطق بالفرنسية كما أشار إليه "أونزيم" نفسه :  Les pays ayant en commun l’usage du français ، بل اكتسبت أبعاد هيمنة سياسية وثقافية وفكرية تتسع ما اتسع التأثير الفرنكوفوني.

والفرنكوفونيّة - شأنها شأن أي مؤْسُسة إمبرياليّة ذات اهتمامات وأهداف مختلفة -، تشمل مؤْسُسات متشعبة ذات وظائف سياسية وثقافيّة وفكرية وحتى دينيّة. ويخدم أهدافها وبرامجها أفراد ومجموعات كثيرة قد تستعصي على الحصر، غير أننا نذكر من مؤْسساتها الثقافيّة والتعليميّة المباشرة ما يأتي :

  • مؤسسة الأوبيليف (AUPELF): وهي منظمة (جمعية) الجامعات الناطقة جزئيا أو كليا بالفرنسية. أنشئت في سبتمبر عام‏ 1961 وتشمل الجامعات والمعاهد العليا التي تدرس باللغة الفرنسية، وتشرف على برامج المنح الدراسية والأبحاث العلمية في شتى المجالات.  أصبحت تعرف ب AUPELF-UREF سنة 1987 ثم "الوكالة الجامعية للفرنكوفونية (AUF) " سنة 1997.
  • اللجنة العليا للدفاع عن اللغة الفرنسية وتوسيع استعمالها (HCDELF):‏ أنشأها الجنرال ديغول عام 1966م‏ وتضم خبراء وأكاديميين في مجالات شتى. مهمتها تقديم الإستشارات في سبيل الدفاع عن الفرنسية والترويج لها. أخذت مسمى المجلس الأعلى للغة الفرنسية عام 1973 (HCLF) ثم المفتشية العامة للغة الفرنسية (CGLF) عام 1984 لتمويه هدفها الأصلي الإمبريالي.
  • جمعيّة كتاب اللغة الفرنسية (ADELF) ‏: وهي جمعية قامت على أنقاض ما عرف سابقا ب "جمعية الكتاب الإستعماريين" Association des écrivains coloniaux والتي أنشئت سنة 1926 ثم جمعية كتاب البحار وما وراء البحار Association des écrivains de la mer et d’outre- mer ، قبل أن تستقر على مسماها الأخير .

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق