التفجيرات النووية الفرنسية في الجزائر وآثارها على الإنسان والبيئة - ج 1

 

التفجيرات النووية الفرنسية في الجزائر وآثارها على الإنسان والبيئة


ملاحظة : من "التأثيرات اللاحقة للتجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية (1960 — 1966) في المجالين البيئي والصحي"،  إلا أننا اخترنا "التفجيرات" عوضا عن "التجارب" عنوانا، لأننا نشك في أنها كانت تجارب وحسب.  فقد تعمدت فرنسا في بعض تفجيراتها الإتلاف والتسميم البيئي، كما أنها قامت ب"تجارب" نيابة عن قوة أجنبية معلومة العداء والأحقاد. [الناشر، ب.ج


بدأت فرنسا بتفجير أول قنبلة نووية لها على الأرض الجزائرية ضمن مشروع عسكري نووي واسع النطاق، وأطلقت .على التفجيرات المختلفة السطحية منها والباطنية مسميات مختلفة للتمويه الإعلامي باسم "تجارب"‏ رغم أن حدود التفجيرات كانت من الضخامة ما ينفي هدفها التجريي كما أعلن عنها وكما كتب عنها حتى اليوم.

كما أن مساهمتنا في الملف ضمن مشروع مركز الدراسات التاريخية للحركة الوطنية وثورة نوفمبر، تبحث عن الآثار الصحية المدمرة الي لا تزال البيئة الصحراوية الجزائرية وساكنوها ممن يتعرضون لها إلى حد الساعة جراء التجارب النووية الفرنسية ال 17، وما تركته من آثارها الإشعاعية المباشرة وغير المباشرة، إضافة إلى الأخطار الناجمة عن المدافن النووية المجهولة للنفايات وما تركته من عتاد في القواعد النووية في كل من ولايتيٍ أدرار في رقان وتامنغست في اينيكر. 

لقد قادتني المصادفة إلى هذا الاهتمام منذ‏ سنة 1991 عندما شرعت قي البحث عن الآثار المدمرة لليورانيوم المنضب الذي استعمله الجيش الأمريكي في جنوب العراق، ولكني‏ عرفت آنذاك، ولأول مرة، أن هناك كارثة أخرى هي الأكبر في العالم وفي الوطن العربي على أرض الجزائر؛ يتكتم عليها الكثيرون من دون مبرر سياسي أو أخلاقي، حيث أقدمت فرنسا بإصرار وبتعمد على تفجير 17 قنبلة نووية في الصحراء الجزائرية بين 1960 و1966 ولأغراض عسكرية إستراتيجية بحتة. وكان الفضل في اهتمامي بالموضوع يعود إلى الملتقى التاريخي الذي عقده "المركز الوطي للدراسات التاريخية للحركة الوطنية وثورة نوفمبر".  ومنذ ذلك الوقت، وأنا أشارك في الملتقيات التى ينظمها المركز كل عام بمناسبة ما يسمى "التفجير النووي الفرنسي الأول" في 13 فبراير 1960 بالصحراء الجزائرية. 

ورغم علم فرنسا بأن منطقة رقان وإقليم توات تعتبر منطقة حيوية وهامة، فقد أقدمت على المغامرة بها رغم الإنتقادات الدولية لها بعد إجراء تجاربها النووية السطحية، وادعت بأنها مجرد تجارب في مناطق بعيدة وخالية من السكان وعناصر الحياة وأنها أجريت في مناطق قاحلة تسمى "صحراء العطش التي‏ يتفاداها حتى‏ البدو الرحل أثناء تنقلهم في الصحراء" وهذا غير صحيح وتدحضه الوقائع والأدلة، فهذه المناطق كانت دائما محطات‏ وطرقا لعبور القوافل، وفيها محيط حيوي متنوع وواسع يضم واحات مسكونة بعشرات القصور ولدى السكان بساتين ومزارع نخيل ومراع، كما أنها تحتوي على أكبر خزان‏ جوفي للمياه وليست كما يحلو لهم تسميتها ب "صحراء العطش" وكما وصفتها فرنسا وروجت لها زوراً. 

ففي منطقة "تمنراست" مثلا تصل المستويات الإشعاعية عند الجبل الذي أجريت تحته التجارب الباطنية ومحيطه حتى مائتي متر إلى جرعات عالية الخطورة وهو مستوى عال‏ جدا من الإشعاع المؤين. وقد أحيط جبل "تاوريرت" كله بالسياج للحؤول دون وصول البدو الرحل إليه‏ إلا أن ذلك لا يمنع‏ الأخطار الناجمة عن التلويث الواسع الذي أحدثته التجارب الفاشلة، والتي خرجت عن نطاق التحكم والسيطرة، وخروج التفجيرات عن الأنفاق المقررة إلى مئات الكيلومترات في عمق الصحراء كما حدث ذلك في تجربتي بيرل وسافير، لأن‏ تقديرات شدة الانفجارات كانت خاطئة وبعيدة عن التقدير الصحيح. 

وهناك يمكن أن نرى المنصهرات الجيولوجية للصخور الى ذابت بالكامل، وهي واضحة للعيان، بالرغم من أن التجارب والتفجيرات قد أجريت على عمق يتراوح بين 300 و 700 متر تحت عمق الجبل. وقناعتنا العلمية، كما تؤكدها الوثائق والقياسات الإشعاعية وما حدث فيها، لا يمكن وصف ما حدث قي مناطق الموقار أنها‏ كانت" تحارب باطنية". ومنها من وصلت إلى 120 كيلوطن،‏ كما أن هناك تحارب أجريت في سفح الحبل وفي‏ مناطق مكشوفة حول ما سمي بتجارب الانفجار البارد وانتشار البلوتونيوم.

ونلاحظ هناك تغيرات واضحة تماما على أجيال النباتات بالمنطقة، ولم تعد هي نفسها، كما تعرضت الحيوانات إلى تغيرات كبيرة وقعت في وظائفها الحيوية ومحتواها الوراثي. ومن خلال معاينتي ل 60 جملا كانت ترعى لفترة في موقع التجارب الباطنية عند عين امقل، لاحظت أن هناك 10 منها أصيبت بسرطان الدم بينما‏ تضررت الأخرى صحيا ولا نعرف أي من السرطانات الأخرى تعاني منها قطعان الإبل. لكن ما وصف من مظاهر عديدة تشير إلى حدوث كارثة أوسع مما يمكن وصفه ولا تتوفر بعد كل المعطيات حولها في غياب التوثيق والإحصاءات والدراسات الميدانية وتجاهل السلطات وجهل السكان. 

وقد استفدت من وجود أبناء المنطقة من "الطوارق" بجامعة وهران فأنجزنا ست دراسات عليا في مسح الأمراض الموجودة ب "رقان"، واستخلصنا نتائج أولية من ملاحظات سريرية وتحليلية لعينات من الناس القريبين من المنطقة تؤكد تصاعديا وبشكل مقلق تزايد عدد السرطانات وتنوعها وانتشارها بالنسبة لعدد السكان  مقارنة بمناطق أخرى من البلاد. فالسرطانات والتشوهات الخلقية أضحتا متلازمتين مع مواقع معينة من المنطقة في ظل انعدام أرقام دقيقة لدى المصالح الصحية والمعنية بالموضوع. 

هناك مستوى عال من انتشار السرطانات بمنطقة التجارب النووية الفرنسية وحتى خارجها ولمسافات بعيدة عن رقان‏ وتمنغست، وتصل إلى مضاعفات تقترب من 20 ضعفا مقارنة مع عدد السرطانات في المناطق الأخرى من الجزائر. وأكثرها شيوعا هو سرطان الدم، فضلا عن أمراض أخرى كالحساسية ونقص الخصوبة لدى سكان "الطوارق"، حيث أصبحت أقل مما كانت عليه، أما التشوهات الخلقية وحالات الإجهاض لدى الإنسان وحيوانات المنطقة فهي موجودة ومنتشرة بشكل واسع، ولكنها لا تسجل ولا توثق ولا ينشر عنها شیئ إلا في المناسبات العرضية والاحتفالات بمناسبات محددة في كل عام . خصوصا وأنه لا يوجد أي مركز أو معهد وطني يهتم بدراسات السرطان و إحصائها والقيام بتوثيقها. 

وهناك أسئلة لم تجد الإجابة عنها: هل تقتصر الآثار الإشعاعية على السكان القريبين من مناطق إجراء التجارب النووية؟ ومن أي جيل من الأجيال وإلى متى؟؟. 

وكما هو معروف فإن الإشعاعات ليس لديها حدود، ولم تحدد أماكن التجارب بدقة، إضافة إلى انفتاح المناخ والأراضي الصحراوية. كما جرت عملية تضليل عن العدد الحقيقي للتجارب ومواقعها ومواعيدها وظروفها المناخية. وفي منطقة حمودية أجريت أربعة تجارب في فترة قصيرة لكن الحديث عن مناطق التلوث يجري فيه شيء من التضليل والكذب. 

فبين كل تجربة نووية وأخرى كان يجب ويفترض الابتعاد عن منطقة الصفر الأولى مابين 100 إلى 150 كلم على الأقل، لضمان سلامة العلماء والباحثين الفرنسيين أنفسهم أو بإجلاء سكان القصور، ومعنى هذا أن هناك 400 إلى 600 كلم مربع لم تعد صالحة للحياة ولا نعرف حدودها بالضبط. 

كما أن التجارب حدثت في فترات عواصف ترابية ومناخ صعب، وتم تجاهل المحاذير من تنفيذ بعض التجارب "كاليربوع الأخضر والأحمر". حيث تشير مذكرات قادة المشروع الفرنسي أنفسهم من العسكربين والمدنيين أنهم لم يكونوا يعرفون كثيرا من الحقائق والتقنيات. ويمكن وصف عملهم ب "الشعوذة النووية" منها إلى العمل العلمي والتقني، أو أنها مغامرة عاصفة أوكلت لعدد من العسكريين الذين لم يحترموا البلاد ولا سكانها‏ ولهثوا وراء " المجد النووي" لا غير. 

ما يعني أن التجارب غير مدروسة ومقدرة جيدا، لذا نقلت الإشعاعات الناتجة عنها إلى مناطق أبعد. ورغم ذلك، تردد فرنسا أن مناطق التجارب النووية الباطنية ال 13 في اينيكر لا خطر منها، باعتبارها أجريت في أنفاق مُحكمة الإغلاق منذ الستينيات. ومثل هذا الكلام غير صحيح وغير مقبول علميا ولا أخلاقيا، فحينما تشاهد سطح الجبل الذي أجريت تحته التجارب تراه حتى هذه اللحظة مكشوفا لمّاعا وصخره مذابا. وحينما نأخذ جهازا مثل "عدّاد جيجر"، أو أجهزة قياس مثل "غرفة التأين" ونذهب إلى مسافة قرب السياج المحيط بمكان التجارب الباطنية، أي على بعد أكثر 250 مترا منها، سنجد أن المستوى الإشعاعي في المنطقة هو عشرات أضعاف المستوى الطبيعي، وكلما سرنا بأمتار نحو الجبل، يزداد صفير الجهاز مسجلا إشعاعات أعلى كلما اقتربنا أكثر.‏ 

وهناك تجربة أرادها الفرنسيون باطنية لكنها خرجت إلى السطح وخرجت الكتلة الإشعاعية التفجيرية من النفق، من عمق 720 مترا إلى 160 كلم خارج الجبل، إلى درجة أن وزير الدفاع الفرنسي آنذاك "ميسمير" الذي حضر التجربة كان يرصد عن بعد الهزة الارتدادية الناتجة عن التفجير، وتم رصده زلزاليا على بعد 650 كلم. 


يتبع إن شاء الله

كنز الجزائر المنهوب

كنز الجزائر المنهوب
جانب من مقتنيات داي الجزئر الذي باعته فرنسا بالمزاد مطلع التسعينات


أكبر ما أثار أطماع فرنسا ونهمها هو كنوز خزينة الدولة الجزائرية التي ما فتئت تتربص بها وتتحين لها الفرص منذ عهد نابليون بونابارت باختلاق مبررات وذرائع شتى إلى أن أتيح لها ذلك سنة 1830.

تذكر المصادر المعاصرة أن خزينة الجزائر كانت تحتوي على ما لا يقل عن خمسین مليون دولار سنة 1830 . وأن الداي علي خوجا الذي كان قد نقل مقر الحكم من قصر الجنينة الى أعالي القصبة، استعمل لنقل محفوظات الخزينة خمسين بغلاً كل ليلة لمدة خمسة عشر يومأ‏. ويفتخر الفرنسيون بأنهم لم يقوموا بحملة رابحة في أي مكان مثل حملة الجزائر إذ أن الحملات الأخرى كانت تكلفهم ، وإن نجحوا فيها، أموالاً طائلة وخسائر مالية معتبرة، بينما حملة الجزائر فاقت منهوباتُها تكاليفَها بمراحل.

ان المعروف من دوافع الحملة ان الفرنسيين كانوا يطمعون في خزينة الجزائر التي سمعوا بثرائها، وفي التخلص من ديونهم تجاه الجزائر التي أصبحت تلح على تسديدها . كما أن الفكرة الرائجة لدى الفرنسيين قبيل الحملة هي أن الجزائر بلد ثري ببضائع الإتاوات وتحف الشرق وذهب إفريقية وعبيدها . فكان كثير من المشاركين في الحملة يحلمون ہملء الجيوب والبطون والاستثراء من هذه الأرض التي تثير في خيالهم الخوف والسحر معا.

لقد كثر الحديث والخلاف بين الفرنسيين أنفسهم عما نهبوه من خزينة الجزائر والطريقة التي عالج بها قائدهم بورمون هذا الموضوع، وقد وجهت أصابع الاتهام حتى اليه هو، بل حتى الى ملكه شارل العاشر، ثم الى الملك لويس فيليب . أما ضباطه وجنوده فقد اتهم کل منهم الآخر، وتدخلت الصحافة والتقارير السرية والعلنية لتلقي الضوء على قضية نهب الخزينة الجزائرية. ولكن يبدو أن الجميع متفقون على أن النهب قد وقع وأن ما بقي من الخزينة قد استولت عليه قيادة الحملة وضمته الى أموال الدولة الفرنسية لتستعمله في أغراض عدوانية أخرى ضد الجزائريين . (ولو كنت من أصحاب السلطات والصلاحيات لطالبت الفرنسيين اليوم وغداً بمحتويات خزينة بلادي، سواء أخذوها بحق الغزو أو بحق النهب . ولكن لا رأي لمن لا يطاع ! ) وسنعرف أن النهب لم يكن مقصوراً على الخزينة بل تعداها الى مختلف الميادين في البلاد بعد الاستيلاء عليها.

ومهما كان الأمر فإن المصادر الفرنسية تذكر أن الخزناجي ( وزير المالية ) في حكومة الداي حسين باشا قد انتظر بورمون عند باب الخزينة ليسلمه مفاتيحها بنفسه. وعندئذ وقع الاستيلاء عليها ونهبها. وكان إحصاؤهم لها حسب مصادرهم على النحو التالي :

قدر الفرنسيون رسمياً قيمة الخزينة : 55.684.527 فرنك موزعة على :

ذهب وفضة وجواهر : 48.684.527 فرنك .
صوف وبضائع أخرى : 3.000.000 فرنك .
قيمة مدافع أرسلت الى فرنسا : 4.000.000 فرنك .

أما الحسابات التي أجراها الخاصة ( غير الرسمية ) للخزينة فقد أثبتت أن قيمتها : 400.000.000 فرنك.

وقد تبادل المسؤولون الفرنسيون عندئذ التهم ، كما أشرنا ، حتى أن بعض مؤرخيهم ادعی أنهم نسوا ما جاؤوا من أجله ، وأخذوا في المناقشات ، وظهر بينهم الحسد ، واتهم بعضهم البعض بالسرقة والاستحواذ على الأشياء الثمينة ‏ في فيلاتهم العربية التي استولوا عليها غصباً، كما كانوا يكتبون الرسائل إلى ذويهم ويعدّون انتصاراتهم ومنهوباتهم . ونفس ظاهرة النهب حدثت عند الاستيلاء على قسنطينة وغيرها من المدن.

وبینما کان بورمون يحصي أموال الخزانة ويختار لنفسه ما حلا له منها ، کان ضباطه وجنوده منطلقین في شره يعيثون في المدينة فسادا . فقد دخلوا قصر الباشا في القصبة وانتزعوا البلاط وقشروا الجدران في الغرف بحثاً عن مخابئ الأموال والكنوز - حسب اعتقادهم - التي قرأوا عنها أو سمعوا بها من كتب ألف ليلة وليلة . وتمتلىء الكتب التي أرَّخت للحملة بأمثال هته الروايات التي لا تقتصر على قصر الداي و حسب ، بل تتعداه إلى مختلف القصور والفيلات والدور التي استولوا عليها، سواء فى مدينة الجزائر أو البليدة أو المدية أو غيرها . وماذا نتوقع من جنود همج شغف بحب المال حقودين على الإسلام وأهله ؟

ومع ذلك لا تزال أدبيات الإستعمار القديم ودعاة الإستعمار الجديد يصرون دون حياء أو خجل على أن الفرنسيين جاؤوا الى الجزائر لنشر الحضارة والمبادىء الإنسانية العميقة !

ولنستمع الى مؤرخ الجيش الفرنسي في الجزائر “بول أزان” يصف لنا حالة هذا الجيش خلال شهر يوليو سنة 1830 :

فقد قال أن الجنود ارتكبوا أعمالاً تخريبية حول مدينة الجزائر ، فخربوا الفيلات (الأ حواش) وقطعوا أشجار الحدائق ، وخلعوا أعمدة المنازل لإيقاد النار ، وثقبو أنابيب المياه لملء أوانيهم منها ، وهدموا سواقي المياه لكي يسقوا حيواناتهم ، وتسببوا في تفجیر مخزن للبارود ، مما أدى إلى سقوط عدة جرحى ، ولم يحافظوا حتى على صحتهم ونظافتهم . وقد كثر المرض فيهم حتى أن المتصرف ( دينييه ) أعلن يوم 24 يوليو أن المستشفيات قد دخلها ألفان وخمسمائة مريض وأنها لم تعد كافية لاستقبال المرضى.  

وبتعبير آخر فقد اشتغل الجنود بالتخريب ولم يكن في حسبانهم أي مشروع للبناء. وواضح من هذا ومن غيره أن عمل الحملة الأول كان نشر الرعب والخراب وليس نشر الحضارة والإنسانية .