كنز الجزائر المنهوب

كنز الجزائر المنهوب
جانب من مقتنيات داي الجزئر الذي باعته فرنسا بالمزاد مطلع التسعينات


أكبر ما أثار أطماع فرنسا ونهمها هو كنوز خزينة الدولة الجزائرية التي ما فتئت تتربص بها وتتحين لها الفرص منذ عهد نابليون بونابارت باختلاق مبررات وذرائع شتى إلى أن أتيح لها ذلك سنة 1830.

تذكر المصادر المعاصرة أن خزينة الجزائر كانت تحتوي على ما لا يقل عن خمسین مليون دولار سنة 1830 . وأن الداي علي خوجا الذي كان قد نقل مقر الحكم من قصر الجنينة الى أعالي القصبة، استعمل لنقل محفوظات الخزينة خمسين بغلاً كل ليلة لمدة خمسة عشر يومأ‏. ويفتخر الفرنسيون بأنهم لم يقوموا بحملة رابحة في أي مكان مثل حملة الجزائر إذ أن الحملات الأخرى كانت تكلفهم ، وإن نجحوا فيها، أموالاً طائلة وخسائر مالية معتبرة، بينما حملة الجزائر فاقت منهوباتُها تكاليفَها بمراحل.

ان المعروف من دوافع الحملة ان الفرنسيين كانوا يطمعون في خزينة الجزائر التي سمعوا بثرائها، وفي التخلص من ديونهم تجاه الجزائر التي أصبحت تلح على تسديدها . كما أن الفكرة الرائجة لدى الفرنسيين قبيل الحملة هي أن الجزائر بلد ثري ببضائع الإتاوات وتحف الشرق وذهب إفريقية وعبيدها . فكان كثير من المشاركين في الحملة يحلمون ہملء الجيوب والبطون والاستثراء من هذه الأرض التي تثير في خيالهم الخوف والسحر معا.

لقد كثر الحديث والخلاف بين الفرنسيين أنفسهم عما نهبوه من خزينة الجزائر والطريقة التي عالج بها قائدهم بورمون هذا الموضوع، وقد وجهت أصابع الاتهام حتى اليه هو، بل حتى الى ملكه شارل العاشر، ثم الى الملك لويس فيليب . أما ضباطه وجنوده فقد اتهم کل منهم الآخر، وتدخلت الصحافة والتقارير السرية والعلنية لتلقي الضوء على قضية نهب الخزينة الجزائرية. ولكن يبدو أن الجميع متفقون على أن النهب قد وقع وأن ما بقي من الخزينة قد استولت عليه قيادة الحملة وضمته الى أموال الدولة الفرنسية لتستعمله في أغراض عدوانية أخرى ضد الجزائريين . (ولو كنت من أصحاب السلطات والصلاحيات لطالبت الفرنسيين اليوم وغداً بمحتويات خزينة بلادي، سواء أخذوها بحق الغزو أو بحق النهب . ولكن لا رأي لمن لا يطاع ! ) وسنعرف أن النهب لم يكن مقصوراً على الخزينة بل تعداها الى مختلف الميادين في البلاد بعد الاستيلاء عليها.

ومهما كان الأمر فإن المصادر الفرنسية تذكر أن الخزناجي ( وزير المالية ) في حكومة الداي حسين باشا قد انتظر بورمون عند باب الخزينة ليسلمه مفاتيحها بنفسه. وعندئذ وقع الاستيلاء عليها ونهبها. وكان إحصاؤهم لها حسب مصادرهم على النحو التالي :

قدر الفرنسيون رسمياً قيمة الخزينة : 55.684.527 فرنك موزعة على :

ذهب وفضة وجواهر : 48.684.527 فرنك .
صوف وبضائع أخرى : 3.000.000 فرنك .
قيمة مدافع أرسلت الى فرنسا : 4.000.000 فرنك .

أما الحسابات التي أجراها الخاصة ( غير الرسمية ) للخزينة فقد أثبتت أن قيمتها : 400.000.000 فرنك.

وقد تبادل المسؤولون الفرنسيون عندئذ التهم ، كما أشرنا ، حتى أن بعض مؤرخيهم ادعی أنهم نسوا ما جاؤوا من أجله ، وأخذوا في المناقشات ، وظهر بينهم الحسد ، واتهم بعضهم البعض بالسرقة والاستحواذ على الأشياء الثمينة ‏ في فيلاتهم العربية التي استولوا عليها غصباً، كما كانوا يكتبون الرسائل إلى ذويهم ويعدّون انتصاراتهم ومنهوباتهم . ونفس ظاهرة النهب حدثت عند الاستيلاء على قسنطينة وغيرها من المدن.

وبینما کان بورمون يحصي أموال الخزانة ويختار لنفسه ما حلا له منها ، کان ضباطه وجنوده منطلقین في شره يعيثون في المدينة فسادا . فقد دخلوا قصر الباشا في القصبة وانتزعوا البلاط وقشروا الجدران في الغرف بحثاً عن مخابئ الأموال والكنوز - حسب اعتقادهم - التي قرأوا عنها أو سمعوا بها من كتب ألف ليلة وليلة . وتمتلىء الكتب التي أرَّخت للحملة بأمثال هته الروايات التي لا تقتصر على قصر الداي و حسب ، بل تتعداه إلى مختلف القصور والفيلات والدور التي استولوا عليها، سواء فى مدينة الجزائر أو البليدة أو المدية أو غيرها . وماذا نتوقع من جنود همج شغف بحب المال حقودين على الإسلام وأهله ؟

ومع ذلك لا تزال أدبيات الإستعمار القديم ودعاة الإستعمار الجديد يصرون دون حياء أو خجل على أن الفرنسيين جاؤوا الى الجزائر لنشر الحضارة والمبادىء الإنسانية العميقة !

ولنستمع الى مؤرخ الجيش الفرنسي في الجزائر “بول أزان” يصف لنا حالة هذا الجيش خلال شهر يوليو سنة 1830 :

فقد قال أن الجنود ارتكبوا أعمالاً تخريبية حول مدينة الجزائر ، فخربوا الفيلات (الأ حواش) وقطعوا أشجار الحدائق ، وخلعوا أعمدة المنازل لإيقاد النار ، وثقبو أنابيب المياه لملء أوانيهم منها ، وهدموا سواقي المياه لكي يسقوا حيواناتهم ، وتسببوا في تفجیر مخزن للبارود ، مما أدى إلى سقوط عدة جرحى ، ولم يحافظوا حتى على صحتهم ونظافتهم . وقد كثر المرض فيهم حتى أن المتصرف ( دينييه ) أعلن يوم 24 يوليو أن المستشفيات قد دخلها ألفان وخمسمائة مريض وأنها لم تعد كافية لاستقبال المرضى.  

وبتعبير آخر فقد اشتغل الجنود بالتخريب ولم يكن في حسبانهم أي مشروع للبناء. وواضح من هذا ومن غيره أن عمل الحملة الأول كان نشر الرعب والخراب وليس نشر الحضارة والإنسانية .