» » » قراءة لتاريخ الإستيطان الفرنسي في الجزائر

الإستيطان الفرنسي في الجزائر

صعود وهبوط اللاتيني الجديد في الميدان الجزائري

بقلم إسماعيل زاير
كثيراً ما كرر الجنرال ديغول قوله «بأن الجزائر ستبقى فرنسيه، كما فرنسا بقيت رومانية» ولكنه بعد اعتزاله الحياة السياسية لم يعد الى ذلك. في دوائر تلك السياسة، التي امضى ديغول قسطاً كبيراً من طاقته لمحاربتها، تلوث حلمه وتداعت أعمدة حكمته. ذات يوم متأخر وهو يدون مذكراته قال لصفيه، ووزير ثقافته اندريه مالرو: انا عجوز همنغواي، الذي لم يعد الا بهيكل السمكة.

كان قوى الشكيمة، وربما صنديداً، الا ان سياسيي فرنسا مع ذلك هزموه. وهو اذ لم يتفوق عليهم الا وهم في اكثر لحظات الضعف والافلاس، ادرك ان آفة فرنسا في سياسيها. السياسيون الذين حملوا مشروع الجنرال بعد موته فككوه ثم اعادوا تركيبه. اخرين عملوا على استيعاب موروثة في تقاليدهم.

احد هذه المواريث ما يعرف بالأقدام السوداء، وهؤلاء هم المستوطنون الفرنسيون الذين وفدوا الى الجزائر تحت ظل احتلالها، ومن ثم ضمها للأراضي الفرنسية وهربوا مع انحسار الاحتلال الى فرنسا.

وبلغ عدد الاقدام السوداء نحو مليون شخص، كان لديغول عليهم تعويلاً كبيراً في حمل رسالة الفرنكوفونية داخل السلطة الجزائرية الجديدة لقد كانوا حزبه، او «حزب فرنسا» اذا شئنا الدقة، قبل ان ينالهم الهلع الكبير من الانتقام المقبل مع نزول مقاتلي جبهة التحرير الوطني الجزائرية من الجبال، ولم تتوقف موجة الهرب على الاقدام السوداء، بل امتدت الى ما يسمى في الجزائر ب«الحركيين» ايضاً، وهم الشريحة التي عملت مع الاحتلال الفرنسي من بين مواطني الجزائر، والذي بلغ عددهم نحو 800 الف حركي، تشبه ظروفهم ظروف المتعاونين مع الاحتلال الاسرائيلي مع مخبري الشرطة الاسرائيلية.

ومع المخاض الذي رافق عملية اتخاذ القرار بالانسحاب الفرنسي من الجزائر استقتل هؤلاء في الحاق الأذى بالشعب الجزائري. وانغمسوا في كل انواع المؤامرات والفتن ليزيدوا الحرب ضراوة، ويعيقوا السلام القادم. حاربوا فرنسا ذاتها من اجل البقاء في الجزائر. في النهاية فرنسا اضطرت الى استيعاب حزبها الجزائري هذا.

في الحلقات التالية زيارة للوقائع التاريخية والاجتماعية التي رافقت الموروث الفرنسي الذي ارسى بذرة الهجرات والعواصف، او محاولة تتبع لمقتربات وخيوط هذا الموروث وتجسدانه المعاصرة.

الضفاف الثلاث لنهر السين

لم تكن فرنسا قادرة ولا حتى راغبة في اخفاء الطبيعة العسكرية البحته لوجودها خلال الفترة الاولى التي اعقبت احتلال الجزائر وانتهاء مقاومة الامير عبد القادر.

اما المستوطنون فقد كانوا يوافقونه على منطقة باريس في تعاملها مع الممتلكات الفرنسية شمال افريقيا، لانهم كانوا مرتبطين اساساً بالجيش الفرنسي في ادارة شؤونهم. ومنذ عام 1884،وهو تاريخ تعيين اول حاكم للجزائر، كان هذا الحاكم يجمع السلطات المدنية والعسكرية بين يديه.

ولكن مع تزايد اعداد المستوطنين اخذوا يبحثون عن دور اكبر في شؤون الادارة. وأظهروا دعمهم للقادة العسكريين في مسعاهم لاحتلال الجزائر بكاملها. وقد ظلت جهودهم كما رأينا في الفصل السابق تصطدم بمقاومة باريس اولاً، والجنرالات ثانياً. حتى جاء عام 1870 حيث أعلن الحاق البلاد تحت سلطة وزارة الداخلية.. وسمح للمستوطنين بتمثيل مناطقهم في البرلمان الفرنسي بوصفها جزءً من ارض فرنسا وبعد عام من ذلك عن اول حاكم مدني عام للبلاد مسؤول مباشرة وزارة الداخلية.

وابتداءً من ذلك التاريخ برزت على نحو واضح مقارنة مع الحقبة الماضية، مظاهر من عداء متزايد بين المستوطنين المحافظين ونابليون الثالث، وقد عارضوا على وجه التحديد سعيه لتجسيد الجزائر بأنها «المملكة العربية»، التي يحق فيها للجزائريين والمهاجرين الاوربيين ان يتمتعوا بحماية ملكهم الفرنسي على قدم المساواة»(1). كما وجه المستوطنون انتقاداتهم ايضاً الى الكنسية الكاثوليكية، لما تقوم به من اعمال. وكانت البعثات التبشيرية وهي تجتذب الى المسيحية الساكنة الجزائريين، تقوم بتقديم خدمات حياتية مختلفة لهم، وتدمج ابنائهم في مدراسها وتبعث بقسم منهم الى باريس لمواصلة عملية الاندماج. ودفع التكوين القومي المتنوع للمستوطنين او اصولهم الدينية المتباعدة الى خلق مصالح مشتركة لا تلعب الكنسية دوراً اساسياً منها. كما أن الدوافع الوطنية التي تسببت لقسم من الفرنسيين بالنفي الى الجزائر لم تساعد على تدجين هؤلاء في ظل المؤسسة الكنسية. ولما كانت المتطلبات الحياتية المطروحة امام أي سلطة احتلال لا تمت للتعاليم المقدسة بشيء فإن التعارضات الصغيرة أو المنهجية كانت امراً لابد منه.
ولعب عامل الزمن دوره في امحاء الطابع الفرنسي التقليدي لدى جيل الآباء. ويذكر هنا مثلاً انه 12% فقط من المستوطنين كانوا قد ولدوا في فرنسا حسب الاحصاء الذي تم عام،1936 وطرأ تغيير مضطرب على طبيعة الأعمال التي يؤدونها ايضاً. فقد قل عدد المزارعين الذين يرتحلون الى الجزائر ابتداءً من الحرب العالمية الاولى، في حين ارتفع عدد العمال والتجارة ورجال الاعمال وموظفي الحكومة(2). وقد ترتبت عند ذلك اجراء عملية المادة تنظيم الاراضي ومن ثم ايقاف عمليات الاستيطان «الرسمي» عام 1920 .

ومع تركز وتعمق المصالح الاقتصادية للمستوطنين، تراوحت علاقتهم مع الادارة الفرنسية وتفاوتت مواقفهم، فقد كانوا خلال العقود الاربعة الاولى من الاحتلال بأمس الحاجة الى تدخل باريس لتأكيد حقوقهم وحمايتها، ولكنهم ابتداءً من 1870، وبعدما حصلوا على الحكم الذاتي، شرعوا في استعمال قوتهم الاقتصادية الجديدة في فرض الضغط السياسي على فرنسا. ومع تبدل الاوضاع الدولية وتقلبات الظروف وجد المستوطنون أنه ليس بمقدورهم تحت ضغط المصالح الحياتية إلا الوقوف بوجه باريس، والسعي الى اعاقة أي مسعى تقوم به، ويترتب عليه الاضرار بوضعهم، فبقدر ما كانت سياسة الادماج التي اعتمدها باريس مؤاتيه لمصالحها فأنها كانت بقدر اكبر، متعارضة مع مصالح المستوطنين اذ اعتبروا أنه هذه العملية ستسمح باندماج كتل بشرية واسعة في الكيان الفرنسي، في الوقت الذي كانوا يصرون فيه على الغاء أي دور للجزائريين في الحياة المدنية. وقد تعارضت آرائهم القائلة بوجوب افناء الجزائريين والقضاء عليهم مع اراء الليبرالية السياسية في باريس في اثناء حكم الجمهورية الثالثة، التي كانت ترى أنه من الضروري تدريب السكان على الأعمال الرخيصة.

وقد عارضوا على طول الخط الاصلاحات التي اقترحتها باريس لصالح السكان الذين حاربوا تحت الراية الفرنسية في اثناء الحرب العالمية الأولى . وشنوا غداة انتهاء الحرب حملة على اقتراحات رئيس الوزراء «كليمنصو» المشابهة وهددوا بالانفصال(3).
وبلغت حدة مواجهتهم لنابليون الثالث وحزبه البونابرتي درجة كبيرة ، كما ولقي الحاكم الفرنسي العام الجنرال «ايستر هازي» الذي عينته باريس مصرعه على أيديهم. وظلت فرنسا تعاني من أثر الاختلاطات الخطرة بين حدودها وحدود المستوطنين ولكنها لم تكن على أية حال قادرة على اعطاء الإجابة الحاسمة في الوقت المناسب.
وقد تجسد هذا الاختلاط في الوحدة التلقائية بين تطلعات المستوطنين الذين تحرروا من الالزاس واللورين، وأولئك المتمردين على سلطة الامبراطور والجيل العسكري الجديد من ابناء المستوطنين الاول، والمغامرين الإسبان الذين انضموا تحت الراية المثلثة الالوان للهكساجون، والقسس الذين عذبهم الركام اللاهوتي، ورواسب العنصرية الدفينة. كلها انصهرت في بوتقة واحدة كأن وعائها ومناخها «شريعة الاستيطان». ونجد هنا ترجمة مهمة للنفسية التي تخوض عنها هذا الخليط في قول كتبه رئيس وزراء فرنسا جول فيري عام 1892: « لقد قمنا بدراسة نفسية المستوطن دراسة دقيقة شاملة… فوجدنا أنه انساني محدود للغاية. ومن المؤكد أنه الكفاءة العقلية ليست هي السبب الذي يجعل المستوطن المتحكم الى حدما في مصير اهل البلاد. ففيه تتجسد كل صفات العامل المجد والوطني، ولكنه لا يملك ما يمكن للإنسانية أن يسميه بفضيلة الفاتح، وهي التي تتمثل في انصاف الروح والقلب، وفي الاحساس بإحقاق الحق للضعيف، والتي لا تتعارض مطلقاً مع صلابة الحكم. ومن الصعب على المستوطن الاوروبي ان يفهم بان ثمة حقوقاً اخرى غير حقوقه في البلاد العربية. وان ابناء هذه البلاد ليسوا شعباً خلق للعبودية او للتكبيل بالاصفاد.. أو كما يعلنون بأنه شعب غير قادر على تحسين وضعه او على تقبل العلم»(4).

اما الجنرال كاترو وهو الخبير بشؤون الادارة الاستعمارية الفرنسية فيقول في كتابه «معركة البحر الابيض المتوسط» عن المستوطنين في الجزائر ما يلي :
«انهم يعيشون تحت سيطرة غرائزهم اكثر مما يعيشون وفقاً لمتطلبات العقل وتأثيرات المثل العليا، وقد ظلوا عن طريق الوراثية الرجعية، على النحو الذي كان عليه اباؤهم، عندما ذهبوا الى أفريقيا لاستيطانها. ينفذون بحماس فائق مشاريع لها طبيعتها ومصلحتها الفردية. وهم يمثلون على ضوء هذا مجموعة من الافراد اكثر من تمثيلهم لجماعية محددة، تقوم على عدد من الاسس والتقاليد….. ويفتقر هؤلاء الرجال على الرغم من حسن نيتهم، الى مشاعر من الفضائل الروحية، والى تقليل من المفاهيم المادية.. وهم يفتقرون ايضاً، الى خميرة كريمة وأصيلة من الثقافة غير المتحيزة، والى تذوق الافكار. ويتضخم هذا الافتقار مع مرور السنين ومع ازدياد الثروة»(5) .
ويقرنه جان دانيال وهو فرنسي ليبرالي المستوطنون مع جنوبيو الولايات المتحدة قائلاً:
«يشترك الاثنان في اكثر من صفة واحدة. لعل في طليعتها: الشجاعة واستمرار الحركة، وضيق الافاق، والاعتقاد المتأصل في نفوسهم بأنهم خلقوا ليكونوا سادة، وليكون غيرهم عبيداً. وأنه أية محاولة لتبديل هذه الفروق عمل يستهدف نشر الفوضى، ويمتازون ايضاً بالعطف على الخدم، شريطة أن يظهر هؤلاء الرغبة للبقاء دائماً من الخدم.»(6)

ولكن ذلك لم يكن ينبت دون أن تتوفر له تربة ملائمة، وقد كانت هذه التربة وليدة خيبة الجنرالات الطامحين الى اثبات وجودهم، وتراكمات الذرائع التي قدم فيها المشروع الاستيطاني ذاته باستعمالهم . ومع تواتر الممارسة انمحت المسافة الفاصلة بين الشرف والوطنية، وبين الجريمة والكفاح، وبين السرقة والمصادرة، والحق والضرورة والحرية والتعسف.
فقد امتدت خيوط الاختلاط منذ لحظة الاحتلال الفرنسي للجزائر الى مجمل التاريخ الرامي لوجود المستوطنين بفعل النار التي كان يزكيها العسكريون لتعبئة هؤلاء. ونذكر هنا اول الكلمات التي قيض للجنرال دوبورمون أن يتفوه بها بعد أن ثبت اقدامه في البر الجزائري مخاطباً جنوده بقوله: «طوبى لكم ..لقد جددتم عهد الصليبين.»
أوبوجولا الذي كان يرى ان الهدف من الحرب في الجزائر هو أقدس وأسجى من حروب فرنسا في اوروبا، وذلك لأنه «موضوع الصراع هنا هو القضية المقدسة» قضية الحضارة، قضية الافكار المسيحية الخالدة»(7) .

وزعم «سكور تيسكو» أن نجاح الاحتلال الفرنسي للجزائر قد اوجد ثغرة في العالم الاسلامي، وشدد لوك ج. لوفيبر من جهته على أن المعركة انما : معركة الصلبين ضد الهلال.

ووسط الالتباس اليومي التاسع الذي وجد الجنرالات انفسهم مضطرين فيه لاستعمال لغة تصب في مجرى الاوهام هذا. فما هو الجنرال بيجو يكيل «المديح للجيش المتحلي بكل الخصال الحميدة»، ويضيف « عندما نقول الجيش فإننا نعني المدنيين المجندين» لأنه كان يعتمد عليهم في مهمة «تغيير عادات الاهالي» وهي استعارة مهذبة جداً لتطبيق تعليمات الإدارة بخصوص السكان الاصليين(8).

وبرغم أن الجنرال بيجو يعد جمهوري الميول إلا انه لم يجد سبباًُ يدعوه الى الامتناع عن اطلاق يد جيوشه لتنفيذ سياسة التنصير الفوري(9)،مع أنها كانت تتعارض مع سياسية «لويس فيليب». وقد اشاع الجنرال مفهوماً يدعي أن الضباط والجنود دائماً يعدونه جنوداً للمسيح في أفريقيا. وساعدت اجراءاته الجمعيات المسيحية على تعميق الروابط بين الجندي والقسيس، معولاً على الخصال الحميدة والأعمال الصالحة التي تمارسها هذه الجمعيات. وقد منح هذه اقطاعيات خاصة استثمرتها لمستعمرات زراعية بوسعها المساعدة على استحالة قلوب العرب بعد اخضاعهم بقوة السلاح. واشتهرت من هذا الجمعيات جميعة «الاخوة لاتراب»، والتي تطلع اليها العسكريون كانموذج وقدوة حسنة لنشر افكار الأنجيل، وبإمكانها التقدم حتى تتحول الى مؤسسة دينية زراعية، عسكرية كبرى(10).
وهكذا نرى أنه تبادلاً في الأدوار والوظائف قد جرى خلال عقود من السنين بين الجنرال والقسيس بحيث لم تعد هنالك فائدة ترجى من تقصي حدود هذا التبادل. واختلطت اخلاقيات الرهبنة بالبراغماتية العدوانية العسكرية. وأصبحت علمية الاستيطان ضرورة لابد منها، ليس للجيش والدولة الفرنسية فقط، وانا للكنسية ايضاًُ. بوسعنا هنا أن نستشهد بما اولى به الجنرال «فالازلي» عندما قال في جلسات لجنة افريقيا البرلمانية عام 1834:
«ان منظر هؤلاء الرجال العرب المتمتعين بالكمال الجسماني والمكتملي الرجولة هو الذي أثار انتباه الجنرال بيجو. والذي جعله يعرف ان وجود هذه الأمة القوية العتيدة المستعدة كامل الاستعداد للحرب،والمتفوقة على العناصر الأوربية التي كان ينوي ادخالها الى البلاد, كل ذلك حتم عليه أن تختار فرنسا العناصر القوية من الأوربيين لتوطينهم امام أولئك العرب. وجنباً الى جنب معهم وبين ظهرانيهم»(11).

هكذا نرى بوضوح كيف أن العنصر الذي استند اليه الجيش لدحر استعداد العرب وتفوقهم، اصبح فيما بعد عقبة ومصدراً للقلق وهدد في فترات دقيقة ديمقراطية البلد الأم نفسها.

ان فرنسية جيل المستوطنين وولائهم كانا مشروطين بالمصالح المباشرة لهم بلاشك. ولكن التخلص من حقيقة الانفصام بين مجتمع المستوطنين والمجتمع الفرنسي لم يعد ممكناً. فقد تغذت العوامل المتناقضة في إهاب المجتمعين داخل جسد واحد. وقد عزز هذا الوهم السعي لتجسيد فكرة مبتكرة تستند الى اخلاقية المواطن «اللاتيني الجديد» كما كانوا يدعونه. هذه الاخلاقية التي ترتكز الى الشعور بالتفوق والسيادة. وفاقم من حرارتها انتشار حمى الاخضاع التي وصلت لفرط فظاظتها الى مستوى سادت فيه المسافات لا تتصل منطقياً بالتاريخ والحضارة الأوربيين. وقد عنت معقولة «اللاتيني الجديد» فرض معاملة شعب بأكمله كرهائن بما في ذلك أعيان البلاد، وحتى انصار الاحتلال والاستيطان منهم. ويذكر التاريخ عن هذا ما قام به الدوق دوفال المعد كانموذج للشرف الفرنسي عندما اقدم على اعدام هؤلاء بعد تلبيتهم لدعوة رسمية منه(12).
ومن ناحية أخرى لفق كافينياك، والذي كان، ياللمفارقة جمهوري النزعة يجمع بمنتهى العناية كل ما يقع تحت يديه من شواهد متصلة بالاحتلال الروماني، مهما كانت صغيرة لكي يقتضي الأثر الذي تركوه. كما أمر بإجراء الحفريات ليستخرج الأثار التي تبرهن للبدو (يقصد الجزائريين) بأن الأوربيين لهم حقوق قديمة في امتلاك البلاد.

وقد راع المستوطنون صمود العل البلاد وبقاءهم في اراضيهم، لذا فقد تقدمت الادارة بمشاريع عديدة لترحيل المواطنين منها الى جزر ماركيز». واقترح القبطان ريشار سنة 1845 تجميع الاهالي في مناطق معينة. ولكن مشروعة لم ير النور الا نهاية الخمسينيات واحتدام الصراع العسكري مع جبهة التحرير حيث انشأت «المحتشدات» البغيضة الصيت.

وعندما فرضت عليهم الظروف قبول هذا البدوي والاعتراف بوجوده فأنهم حدودا له طبيعة المهمة التي يضطلع بها. ووفقاً لهذا فقد كان العربي المطلوب هو العربي الخاضع. وابرزت قناعاتهم هذه الحقيقة بوصفها اساسية للانطلاق في أي عمل بهذه البلاد. ولعل اكثر التعبيرات دقة في وصف ذلك ما اوردته صحيفة التل«LA TEll» عام 1865 عندما قالت :«على كل واحد من سكان البلاد، الجندي بسيفه، والمعمر بمحراثه، والراهب بصلاته، والعربي بخضوعه ان يجعلوا من هذه القوى كتلة واحدة لكي تحقق الجزائر المستقبل الباهر الذي كتبه الله لها».

وكما اسلفنا فقد بدأ المستوطنون جمهوريين، عندما كان الامر يتعلق بسياسة لويس فيليب ،والتي ظهرت مجاملة اكثر مما يحتمل للسكان العرب. فحلت جريدة الاستقلال الصادرة في قسنطينه عليه قائلة:
«لن نرضى ابداً بهذا الشخص المنتمي لعائلة بونابرت. فالولاء لإنجلترا افضل لدينا من الخضوع لأوامر هذا السافل الدنيء….ربما سنفقد حينئذ اسم الجمهورية وسوف تصبح شكلياً، رعايا المملكة، إلا أننا سوف نتجمع على كل حال باستقلالنا الذاتي …وسوف يتطور الاستعمار تطوراً منقطع النظير، وسوف تحول الاراضي التي تركها الحكومات الفرنسية ذات الميول العربية للمسلمين الكسالى»(13) .

ولم يتورعوا عن الاتصال بغاريب لدي الذي التجأ الى «كابريرا». وكأن جنوده المشردون في كل مكان يتوافدون الى الجزائر حيث كان المستوطنون يعتزمون استعمالهم للقيام بانقلاب ضد فرنسا. بل ان وفداً منهم قابل «غاريب لدي» وطلب منه ان يستلم زمام الحكم في الجزائر(14).
وخلال الحرب العالمية الثانية ابدى المستوطنون تعاطفهم مع سياسات حكومة فيشي الديكتاتورية المناهضة للسامية، وغرق اليهود في بحرين من الجنون الهستيري للمستوطنين، حيث راح ضحية العنف عدد كبير منهم وسط اصطحاب العاصفة والمدن واكاليل الزهور المقدمة لابطال المذابح التي اقترفت بحق اليهود. وكان يهود الجزائر قد حازوا على الجنسية الفرنسية، وفقا لمرسوم يدعى «قرار كريميو».ولكن اجواء الحكم الفرنسي بقيادة فيشي شجعت المستوطنين على نقض هذا القرار واعادة التعامل معهم بأعتبارهم يخضعون، كما الجزائريين لنظام «الانديجان» أي خدمة الاجانب(15).

وقد تأسس في الجزائر حزب على غرار الحزب النازي، وكان 80 % من المستوطنين مؤيدين لحكومة فيشي، كما أنهم نظموا حملات متصلة لتأمين المعونة والذخيرة للجيش الالماني النازي، على أرض افريقيا والذي كان يقوده الماريشال «روميال»(16).
« ان فرنسا امام خيارين: اما ان تكون دولة استعمارية قوية الجانب، واما الا تكون شيئاً على الاطلاق» هكذا كتبت صحيفة « لاقيدبش لاكوتيديان « على لسان السيناتور بورجو!!.

ولكن فرنسا كانت حقاً امام خيارات صعبة.. فمصالح الدولة الفرنسية لم تتطابق مع هذه الاطروحات. وكان التناقض المنطقي واضحاً في أن أي صعود لمهابة «اللاتيني الجديد»، ومهما كانت الافاق الفرنسية البحتة، والتي تصب في ذات المجرى الاستعماري، وردية، الا أنه سيكون على حساب سلطة باريس. الامر الذي لم يكن بوسع الادارة القبول به. كما أن الافرار بمنطق المستوطنين هذا انما يعني ان مركز فرنسا سينحرف تدريجياً من باريس الى مستعمراتها ويتحكم فيه جنرالات طامحون ومعهم جيش المستوطنين العصي على السيطرة.

الهوامش:


1. جوان غيلسبي ALHENIE ،REBELLION،AEVODHTION/ الناشر:فردريك بريغير –نيويورك 1960-صـ17-الطبعة العربية.
2. المصادر السابقة صـ18
3. المصادر السابقة صـ20
4. أندريه جوليان-وستيفنس/مستودع البارود في شمال افريقيا صـ20
5. جوان غيلسبي/مصدر سابقة صـ23.
6. جان دانيال /الاكسبريس عدد 4 جوان 1955.
7. الجزائر/الامة والمجتمع-مصطفى الاشرف صـ58.
8. التنصير:بمعنى جعل الناس يدخلون في المسيحية واصل الكلمة من نصراني اي اتباع المسيح ابن الناصرة».
9. LE SEMAINE EN ALGERIE FWANCAISE ANNEE 1959 NO:42
10. استقر الاخوة لاتراب في منطقة اسطاوالي القريبة من العاصمة واقاموا جمعية تبشيرية دينية،اشتهرت ايضاً بأنواع الخمور التي تصنعها.ومازالت صناعتها سائدة في السوق الجزائري.ولكن ملكاً للدولة.
11. J.HESS: LO VERITE SHR L”ALGERIE B-294
12.المراجع السابقة
13.جريدة»GA IN BED WNBANT»(G) فبراير 1871.
14. الجزائر/الامة والمجتمع-مصدر سابقة صـ70.وينظر ايضاً كتاب ج.هيس المذكور في هامش (11) صـ298.
15. قرار كريميو اقر عام 1896-ونظام الانديجان يخص غير الفرنسيين.
16. الجزائر/الامة والمجتمع-مصدر سابقة.

عن المدون Algeria Gate

بوابة الجزائر موقع تثقيفي يُعنى بالشأن الجزائري خصوصا دون الحصر و يرحب بمشاركة القرَّاء.
»
السابق
رسالة أقدم
«
التالي
رسالة أحدث

ليست هناك تعليقات :

ترك الرد