» » الدونمة و دورهم في سقوط الخلافة العثمانية

الدونمة و دورهم في سقوط الخلافة العثمانية

 

 الأصل والنشأة:

 
الدونمة “Donmeh” كلمة تركية مركبة من جزأين "دو" بمعنى اثنين (فارسية الأصل) و “نمة ”بمعنى نوع . و معنى الكلمة الفرقة القائمة على نوعين من الأصول : النوع اليهودي والنوع الإسلامي، وقد أطلق الأتراك على اليهود المتظاهرين بالإسلام عبارة دونمة وهي مصدر مشتق من فعل دونمك أي عاد ورجع أما المصدر منه فيعني المرتدون عن دينهم.


بدايات ظهور يهود الدونمة في الدولة العثمانية

 
يقول الدكتور يحي الخشاب في كتاب "العدوان الثلاثي على مصر":

متى بدأ اليهود دورهم في تركيا؟ كان ذلك أيام السلطان بايزيد الثاني (1461 – 1512) وكانت إسبانيا والبرتغال قد صبت اضطهادها على اليهود فيها فوفدوا على تركيا حيث رحب بهم هذا السلطان. وقويت الجالية اليهودية في تركيا وأصبحت موئلا للجاليات اليهودية في البلاد الأخرى وظهر في تركيا متنبئ يهودي اسمه (شبتاي) وادعى أنه المسيح المنتظر، وهو من سلالة يهود اسبانيا الذين ولدوا في أزمير وذهب إلى بيت المقدس والتف حوله اليهود، وأعلن أن الأوان قد حان لعودة إسرائيل، وكثر إتباعه وأصبح ملكا لكل اليهود في العالم. وفي سنة 1666 عاد إلى استنبول حيث اعتقل وجييء به أمام السلطان محمد خان الرابع فأسلم بعد أن ترك إتباعا له ثيرين هم المعروفون في تركيا باسم جماعة (الدونمة) أي اللذين تحولوا عن اليهودية ودخلوا الإسلام وقد مات (شبتاي) بعد ذلك بعام واحد في البانيا، وهكذا أصبح اليهود في تركيا صنفين : صنف بقي على ملته وصنف تحول عنها إلى الإسلام.
 

مؤسس يهود الدونمة

 
يعد سباتاي زيفي (شبتاي) المؤسس الحقيقي ليهود الدونمة الذي استغل بعض النصوص الدينية العبرانية التي تدعو إلى ظهور مسيح جديد في عام 1648 يحكم العالم آخر الزمان متخذا من نفسه المسيح المنتظر الذي يتخذ من القدس عاصمة للدولة اليهودية، فصدقه عدد كبير من اليهود وانهالت عليه الوفود من ألمانيا وصوفيا وادرنة وأطلق على نفسه لقب ملك الملوك. وعين أبراهام نطحان يهودي الأصل رسوله إلى الناس.

سباتاي زيفي هو شخصية يهودية من أصل إسباني إبن السمسار اليهودي موردخان زيفي المعروف بين الأتراك باسم " قرة منتشة" ولد بمدينة أزمير غرب الأناضول عام 1626م، هاجرت عائلته من إسبانيا إلى تركيا مستغلة سياسة التسامح الديني التي أعلنتها الدولة العثمانية . وأصبح حاخام مدينة أزمير بعد تعلمه التوراة والتلمود على يد أستاذه إسحاق دلبع، وقد استنبط من النصوص العبرانية حسب طلاسم القبالا (الكابالا) أن ظهور المسيح سيكون عام 1648م فأعلن نفسه مسيحا وهو بعمر الثانية والعشرين وقد عده حاخامات أزمير مختل العقل ومعتل الصحة والمزاج فابتعدوا عنه ولم يصدقوه، وحاولوا الوشاية به للسلطان العثماني الذي أمر باتخاذ التدابير لمقاومة التكتل اليهودي فسجنه في سجن زندان قابو باستانبول سنة 1666م بتهمة ادعاء النبوة، ثم سيق إلى مدينة أدرنة للمحاكمة التي حضرها وكيل الصدر الأعظم مصطفى باشا وشيخ الإسلام منقاري زاده يحي أفندي وامام السلطان الواعظ محمد أفندي الواني كما حضرها رئيس الأطباء حياتي زاده مصطفى أفندي وهو يهودي مسلم يتكلم الاسبانية فاختير مترجما له، وانتهت المحاكمة بالأمر بإعدامه لولا رأي المترجم الذي طلب منه أن يعلن إسلامه فوافق فعفى عنه السلطان الذي كان يراقب مجريات المحكمة من وراء حجاب فأطلق سراحه وبدأت مراسيم إسلامه بتبديل اسمه فصار محمد عزيز أفندي واغتسل ونطق بالشهادتين ولبس الجبة والعمامة وعين رئيس البوابين في القصر السلطاني براتب قدره مائة وخمسون أوقية فضية شهريا. فأرسل ساباتاي نشرة إلى أتباعه قال فيها:

"جعلني يهوه مسلما أنا أخوكم محمد البواب هكذا أمرني فأطعت". وبما أن الكتب اليهودية تقول إن المسيح سيتبعه المسلمون أكد على أن: "كيان ساباتاي القديم صعد إلى السماء وبأمر من يهوه ترك ملكا يستمر في كونه المسيح ولكن تحت جبة وعمامة".

وبناء على طلب تقدم به ساباتاي إلى الحكومة العثمانية بدعوة اليهود إلى الإسلام، دخل الإسلام عدد كبير من اليهود المبطنين لليهودية، إذ كانوا يؤدون الشعائر الدينية الإسلامية الظاهرة من صوم وحج ودخول المسجد وكان لكل واحد منهم اسمان، اسم يهودي خاص، وآخر إسلامي رسمي عام، وفي نفس الوقت استمروا في المحافظة على عاداتهم الخاصة اليهودية من لباس وأعياد وشعائر تقام باللغة الاسبانية ولهم المدارس والمقابر الخاصة بهم. وبسبب التقارير التي كانت ترفع من إدارة الأمن العثماني حول الأفكار الخطيرة التي كان يحملها هؤلاء وكيدهم للإسلام، اتضح للحكومة العثمانية وبعد أكثر من 10 سنوات أن إسلام سباتاي كان خدعة الهدف منه ضرب الإسلام من الداخل . وفي زمن السلطان محمد الرابع سيق سباتاي إلى قصر السلطنة القديم في أدرنة للمحاكمة فنفي إلى مدينة دولكون بألبانيا ومات فيها بتاريخ 03 أيلول عام 1675م.
 

دور الدونمة في انهيار الخلافة العثمانية

 
شهدت السنوات السابقة لتولي السلطان عبد الحميد الثاني الحكم، سيطرة الماسونية اليهودية على مقدرات الدولة العثمانية وسياستها منها على سبيل المثال محاولات وزير الخارجية مصطفى رشيد باشا الذي أصدر تشريعات في أواخر عهد السلطان محمود الثاني عام 1839 على تشجيع الأقليات في الدولة العثمانية على المطالبة بالانفصال عن الدولة كما أصدر تشريعات أخرى تدعوا إلى الدعوة إلى التغريب تحت ذريعة "الإصلاح" ورغم أن تشريعاته جوبهت بالرفض من قبل علماء الدين وطرده من الحكومة عام 1841 إلا انه استطاع العودة مرة أخرى عام 1845 لتولي منصب رئاسة الوزراء ولم يعزل إلا في عام 1858. واستمرت التشريعات البعيدة عن الشريعة الإسلامية في عهد كل من السلطان عبد المجيد الأول وأخيه السلطان عبد العزيز منها تلك التي أصدرها مدحت باشا الذي كان ماسونيا من يهود الدونمة، واستطاع أن يصل إلى منصب الصدر الأعظم "رئيس الوزراء" في الدولة العثمانية ويخطط لقتل السلطان عبد العزيز اثر محاولة الأخير العودة إلى اعتماد الشريعة الإسلامية في الحكم، وتولية مراد الخامس ابن السلطان عبد المجيد الأول الذي كان عضوا في المنظمات الماسونية اليهودية متشبعا بمبادئهم البعيدة عن الدين الإسلامي. ونتيجة الفتوى التي أصدرها شيخ الإسلام حسن خير الله بجواز عزله والقاء القبض عليه، أمضى بقية حياته في قصر جراغان. وتولى الخلافة من بعده السلطان عبد الحميد الثاني الذي أجبر في بداية حكمه على الإستجابة لكل الإصلاحات والتعديلات الممهدة لإعلان النظام الجمهوري خاصة إذا علمنا إن النفوذ الماسوني أصبح قويا في القصر والدولة.

وفي هذا المجال يؤكد السلطان عبد الحميد في مذكراته أهداف مدحت باشا الماسونية حين قال:

"لقد وجدت مدحت باشا ينصب نفسه آمرا ووصيا على، وكان في معاملته بعيدا عن المشروطية وأقرب إلى الاستبداد".

وجب أن نشير إلى النتائج الخطيرة لتواجد المحافل الماسونية الأجنبية داخل الدولة العثمانية، واحتضانها لحركة الاتحاد والترقي وهي في مرحلة المعارضة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني. وإن الثورة التي أنجزوها كانت نتاج عمل مدينة واحدة وهي مدينة سالونيك أين نمت وترعرعت "جمعية الاتحاد والترقي".
 

دور جمعية الإتحاد والترقي في إسقاط حكم عبد الحميد الثاني

 
أسست جمعية الإتحاد والترقي في مدينة سالونيك عام 1889م على يد أحد اليهود السبتائيين ويدعى باروخ لوي وانعقد أول اجتماع لها بالمجمع الماسوني بسالونيك، وقد قامت هذه الجمعية بعزل السلطان عبد الحميد الثاني لرفضه بيع فلسطين لليهود، ثم سجن السلطان المخلوع في بيت لأحد اليهود بسالونيك. لقد كان للدونمة دور كبير في المذابح الأرمينية بشرق الأناضول، ثم إن الأمر الخطير هو أن هؤلاء السبتائيين الذين تولوا مناصب عالية في المؤسسة العسكرية العثمانية كانوا قد أقنعوا السلطان محمد رشاد بالدخول في حرب خاسرة إلى جانب ألمانيا وايطاليا، أضعف الدول الأوروبية، وقد خسرت قوات المحور الحرب واحتل الحلفاء كامل أراضي الدولة العثمانية وحاصروا العاصمة إستانبول.

وقبلها بسنوات لاحظ العرب فساد البلاط العثماني وهيمنة الدونمة عليه فاختاروا الإنفصال عن الدولة العثمانية دولة اليهود لا دولة الخلافة. إذ كان الخليفة لعبة بين يدي السبتائيين لا يعلم ما يجري خارج القصر، بل كان منصبه شرفياً لكسب ولاء الشعب وحسب.

ومن الجدير بالذكر أن السفير البريطاني"كيرزن" قال لرئيس وزراء تركيا عصمت اينونو لما طالبه باستقلال البلاد عند عقد مؤتمر الصلح عام 1922: "إننا لانستطيع أن ندعكم مستقلين، لأنكم ستكونون نواة يتجمع حولها المسلمون مرة أخرى، فتعود المسألة الشرقية التي عانينا منها كثيرا".

وفي عام 1923م أعلنت الجمعية الوطنية التركية قيام الجمهورية في تركيا، وانتخبت مصطفى كمال المولود في سالونيك في قصر أحد الأغنياء الييود السبتائيين أول رئيس لها بعد تعهده لبريطانيا بالموافقة على كل شروطها ومنها:
 
  • أن تقطع تركيا صلتها بالإسلام.
  • أن تقوم بإلغاء الخلافة.
  • أن تتعهد بالقضاء على كل حركة يمكن أن تقوم لإحياء الخلافة.
  • وضع دستور علماني وصياغة القوانين الوضعية محل القوانين الإسلامية.
وتظاهر بالاحتفاظ مؤقتا بالخلافة. فاختير عبد المجيد بن السلطان عبد العزيز خليفة، بدلا من محمد السادس الذي غادر البلاد على بارجة بريطانية إلى مالطة، ولم يمارس السلطان عبد المجيد أي سلطات للحكم .وفي عام 1924م قدم مصطفى كمال أعظم هدية للغرب، وهي إلغاء الخلافة، وأعلن دستورا جديدا لتركيا، وبدأ حكم كمال أتاتورك كرئيس للجمهورية التركية رسميا.
وبسقوط الخلافة بدأت تركيا تنقل بقوة على يد أتاتورك إلى الانسلاخ من العالم الإسلامي بإعلان علمانية الدولة، وتغيير كل الرموز الإسلامية، مثل إلغاء الشريعة الإسلامية و اغلاق بعض الجوامع وهدم البعض الآخر، وأرغام الناس على الصلاة باللغة التركية في البقية المتبقية من الجوامع التي يرفع فيها الأذان بالتركية، والغاء الأوقاف الإسلامية، وكتابة اللغة التركية بالحروف اللاتينية بدلاً من الحروف العربية لإنشاء جيل يعجز عن قراءة القرآن من جهة وقطع الشعب عن أصوله الشرقية الإسلامية من جهة أخرى.
 

خلاصة

 
لتفتيت الدولة العثمانية ثم إسقاطها قامت حركة الدونمة ب:
 
  • هدم القيم الإسلامية في المجتمع العثماني والعمل على نشر الإلحاد والاختلاط بين الرجال والنساء خاصة في المدارس والجامعات.
  • تأسيس المحافل الماسونية والجمعيات داخل الدولة العثمانية تحت شعارات خادعة مثل الحرية ومكافحة الاستبداد ونشر الديموقراطية لاجتذاب البسطاء وترويح الأفكار الهدامة.
  • نصرة القوى المعادية للسلطان عبد الحميد، والتي تحركت من سالونيك لعزله، بعد أن تغلغلوا داخل صفوف الجيش وسمموا أفكار الضباط الشباب.
 

ملاحظة

 
سباتاي زيفي هو أول من نادى باتخاذ فلسطين وطنا قوميا لليهود، ويعتبر المؤسس الحقيقي للصهيونية العالمية، وذلك قبل تيودور هرتزل بثلاثة قرون.

عن المدون Algeria Gate

بوابة الجزائر موقع تثقيفي يُعنى بالشأن الجزائري خصوصا دون الحصر و يرحب بمشاركة القرَّاء.
»
السابق
رسالة أقدم
«
التالي
رسالة أحدث

ليست هناك تعليقات :

ترك الرد