» » » مراحل تطور القضية الجزائرية في هيئة الأمم المتحدة

مراحل تطور القضية الجزائرية في هيئة الأمم المتحدة

مراحل تدويل القضية الجزائرية:


أولا : الدورة العاشرة "سبتمبر - نوفمبر 1955":


شكل الوطن العربي المجال الطبيعي لتنسيق وتصعيد النشاط الدبلوماسي لجبهة التحرير الوطني من أجل تدويل القضية الجزائرية عقب مؤتمر باندونغ1955، وكان صانعوه الأساسيون هم حسين أيت أحمد، امحمد يزيد، على رأس المكتب الإعلامي لجبهة التحرير الوطني الذي كان نشاطه سببًا في كسب ود الكثيرين لجبهة التحرير والنضال الذي الذي تقوم به، وقد طالبت 14دولة من الدول الأسيوية والإفريقية المنتسبة للأمم المتحدة، في الجلسة العاشرة لهيئة الأمم عام1955 بوضع المشكلة الجزائرية في جدول أعمال الجمعية، مما لفت ممثلي العربية السعودية وأنظار الأمم المتحدة إلى الحالة الخطيرة التي تعيشها الجزائر، غير أن هيئة الأمم المتحدة أنهت دورتها لتلك السنة دون أن تلتفت إلى الوضعية التي تعيشها الجزائر خاصة أن فرنسا في تلك الفترة كانت قد توصلت إلى اتفاق مع تونس ومنحتها استقلالاً شبه داخلي، كما أبدت استعدادها للوصول إلى حل مرضي فيما يخص القضية المغربية، الشيء الذي جعل الوفود الدولية في هيئة الأمم المتحدة، تعتقد أن فرنسا سوف تصل إلى الحل نفسه في الجزائر، خاصة أنها كانت تعتبر القضية الجزائرية مشكلة داخلية، ولا يحق للأمم المتحدة أن تناقشها، وهي الحجة الوحيدة التي قدمتها فرنسا في هذه الدورة.

و إثر التطورات التي عرفتها الثورة الجزائرية، طلب في 26 جويلية 1955 تسجيل القضية الجزائرية في جدول الدورة المقبلة لهيئة الأمم المتحدة في الفاتح أكتوبر1955 مما أدى إلى انسحاب الوفد الفرنسي بصورة الاحتجاج، لكن الجمعية العامة لهيئة الأمم أقرت يوم 25 نوفمبر 1955 تعليق النقاش حول القضية الجزائرية مع تسجيلها في جدول أعمالها.

كما يمكننا تسجيل موقف الدول الرافضة والقابلة لإدراج القضية الجزائرية ضمن جدول أعمال الجمعية العامة فيما يلي:

الدول التي وافقت على التسجيل :

لبنان، المملكة العربية السعودية، العراق، سوريا، اليمن، مصر، أفغانستان، الأرجنتين، بورما، روسيا البيضاء، إيران، تايلاندا، أوكرانيا، ليبيريا، المكسيك، باكستان، الفلبين، بولونيا، الإتحاد السوفياتي، الأورغواي، يوغسلافيا.

الدول التي رفضت التسجيل :

أستراليا، بلجيكا، كندا، الشيلي، كولومبيا، كوبا، الدنمارك، الدومينيك، فرنسا، هايتي، هندوراس، لكسمبورغ، هولندا، زلاندا، نيكاراغوا، النرويج، بنما، البيرو، السويد، تركيا، إتحاد جنوب إفريقيا، بريطانيا، الولايات المتحدة الأمريكية.

الدول الممتنعة :

الصين، سلفادور، إثيوبيا، نيوزيلندا، البرغواي.

وقد تضمن الحدث التاريخي كل الأحقاد الفرنسية على الثورة الجزائرية والأدل على ذلك انسحاب الوفد الفرنسي من الجلسة، وامتناعه عن المشاركة في مناقشة القضايا الأخرى، المدرجة في جدول الأعمال التي استمرت مناقشتها من الفاتح أكتوبر حتى آخر شهر نوفمبر، وقد صرح وزير الخارجية "بينو Pineau" أن الحكومة الفرنسية تعتبر كل ذلك باطلا، ولا قيمة لكل التوصيات التي تتخذ في هذا الشأن.

وقد بدأت الوفود المشاركة تفكر في البحث عن وسيلة ترجع بها الوفد الفرنسي إلى مقعده داخل الجمعية العامة، فكان المشروع الذي تقدمت به كل من الشيلي، الإكوادور، كوبا، كولومبيا، يوم 23 نوفمبر يقضي بشطب القضية من جدول الأعمال بحجة أن القضية ليست من اختصاص هيئة الأمم، ولقي المشروع معارضة من طرف الكتلة الأفروأسيوية، وقد تقدم ممثل الهند السيد "كريشينا" بمشروع قرار يقضي بإعراض المنظمة الدولية على مناقشة القضية هذه السنة، مع الاحتفاظ بالدول المعنية بحق إثارتها وطرحها على المنظمة الدولية متى دعى الأمر لذلك، وصودق على القرار من طرف الجمعية العامة بالإجماع دون المناقشة، لكن مهما كانت النتيجة التي توصلت إليها القضية الجزائرية في هذه الدورة، فإنها نتيجة مشجعة، وحتى لو كانت القضية لم تعرض رسميًا في هذه الدورة، فإنها كانت محل اهتمام كبير من طرف الوفود الحاضرة، فكان هذا في حد ذاته انتصارا للقضية الجزائرية بصفة عامة ودبلوماسية جبهة التحرير الوطني الخارجية خاصة، من أجل قضيتها سياسيًا، وهذا ما فعلته في السنوات اللاحقة، إذ فرضت نفسها ووجودها في كل دورة من دورات الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة.

ثانيا : الدورة الحادية عشر "جانفي، فيفري 1956 ":


اعتبرت الدورة الحادية عشر دورة حاسمة بالنسبة للقضية الجزائرية من خلالها تم مناقشة القضية لأول مرة بعد تأجيلها في الدورة العاشرة حيث أن جبهة التحرير كانت تعلق آمالاً كبيرة على القرار الذي سوف تصدره في شأنها، فالمناخ المعادي للاستعمار الذي ساد أروقة الأمم المتحدة خلال هذه الدورة، خاصة بعد العدوان الثلاثي على مصر في أكتوبر1956، وشجب الولايات المتحدة لهذا العمل كان مبعث تفاءل لدى جبهة التحرير الوطني التي عبأت الشعب الجزائري تعبئة كاملة لمساندة القضية الجزائرية عند عرضها للمناقشة، وفي إطار هذه التعبئة تم الإعلان عن إضراب ثمانية أيام في فيفري1956 عبر كامل التراب الوطني، تزامنا مع انعقاد الجمعية العامة.

وعلى مستوى العمل المباشر في مقر الأمم المتحدة سلم وفد جبهة التحرير الوطني في 12 نوفمبر 1956 إلى رئيس الدورة الحادية عشر للجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة "أن نتشرف بتبليغكم في هذه الرسالة بأمر من جبهة التحرير الوطني، التي تمثلها المذكرة المتعلقة بإدراج القضية الجزائرية في جدول أعمال الدورة الحادية عشر والذي قدمته أثناء ثورة نوفمبر 1954 والممثلون القارّون لدول الأفغان،المملكة العربية السعودية، الأردن، ليبيا، لبنان، أندونيسيا، العراق، ألمانيا، سيلان، مصر، باكستان، الفلبين، سوريا، اليمن". عن وفد جبهة التحرير، امحمد يزيد.

وتعتبر هذه المذكرة تدعيما لما طرحته المجموعة الأفروأسيوية من 6 ماي إلى 19 جوان 1956، وكان الهدف من الاجتماع هو دراسة كل جوانب القضية الجزائرية وعرضها على مجلس الأمن الدولي، وبالفعل وافقت 13 دولة على قرار عرض القضية على مجلس الأمن وهذه الدول هي:

أفغانستان، مصر، أندونيسيا، إيران، العراق، لبنان، باكستان، المملكة العربية السعودية، سوريا، الأردن، ليبيا، اليمن، تايلندا.

الدول المعارضة :

تركيا، الحبشة، الفلبين، الهند، سيلان، برومانيا، نيبال، لاووس.

لكن مع هذا فإن مجلس الأمن رفض النظر في القضية الجزائرية بحجة أن الوقت لم يكن مواتيا لذلك، ومعنى هذا أن مجلس الأمن لم يكن في هذه الفترة يعترف بالإدعاءات الفرنسية، وبحجتها الواهية القائلة بأن مشكلة الجزائر "قضية داخلية وأن الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا" فالمجلس إذن مادام لم يرفض مناقشة القضية رفضا مطلقا بحجة عدم وجود الوقت المناسب فقط هذا يعني أنه اعتراف بدولية القضية الجزائرية واقتنع أن الحرب الدائرة بالجزائر من شأنها أن تهدد الأمن الدولي وأن للمجلس حق النظر فيها.

في أواخر شهر سبتمبر1956، تقدمت الكتلة الأفروأسيوية من جديد بطلب إدراج القضية الجزائرية في جدول أعمال الجمعية العامة وقبل هذا الطلب سجلت القضية في جدول أعمال هذه الدورة دون مناقشتها وكان ذلك يوم 15 نوفمبر 1956، وشرعت اللجنة السياسية في مناقشتها ابتداءا من 4 إلى 13 فيفري 1957 ، حاولت حينها فرنسا أن تتمسك بموقفها الصارم لكن تدخل الولايات المتحدة الأمريكية غير من موقف فرنسا فقد قبلت تسجيل القضية دون نقاش، وشاركت في المناقشة بعد أن كانت ترفضها رفضا قاطعا، وهذا ناجم عن إحساس فرنسا وحلفائها بإمكانية مناقشة القضية الجزائرية ولو غاب وفدها عن المناقشات من طرف هيئة الأمم.

وهكذا أصبحت فرنسا تعترف ضمنيا بالقضية الجزائرية ولم يبق بيدها إلا جانب واحد وهو محاولة الدول الأعضاء ولا سيما حلفاءها للإدلاء بأحكام ونصوص غامضة يجنبها الوقوع في الفخ المرتقب.

ولتحقيق ذلك أوفدت شخصيات سياسية للدعاية في العالم، فكانت وجهة وزير خارجيتها أمريكا الجنوبية، في حين توجه "جاك سوستال" وقدماء المحاربين، والرياضي "ميسون عبد السلام" إلى طرح نقاط أخرى، لكن هذا لم يفد فرنسا في شيء، وقد نوقشت القضية الجزائرية لمدة 10 أيام كانت نتيجتها أن أصدرت هيئة الأمم عريضة تدعوا فيها الطرفين لإيجاد حل عادل وسلمي وديمقراطي للمشكل الجزائري بإجماع الأصوات حيث تقدمت 18 دولة إفريقية وأسيوية بمشروع قرار تحت رقم 195 ينص على ما يلي: "إن الجمعية العامة نظرا لحالة القلق والاضطراب والنزاع السائد في الجزائر والتي سببت كثيرا من الألم، وتهدد العلاقات بين الأمم واعترافا بحق الشعب الجزائري في تقرير المصير طبقا لنص ميثاق الأمم المتحدة":

أ- تطلب من فرنسا الاستجابة لرغبة الشعب الجزائري في ممارسة حقوقه الأساسية في تقرير المصير.
ب- تدعو فرنسا الشعب الجزائري للدخول فورا في مفاوضات لإيقاف القتال وتسوية الموقف سلميا.
جـ- تطلب من السكرتير العام أن يساعد الطرفين على إجراء تفاوض وأن تقدم تقرير للجمعية العامة في دورتها الثانية عشر.

وبهذا عبَّرت عن أملها في روح التعاون للوصول إلى حل سلمي ديمقراطي عادل بواسطة الوسائل النسبة وطبقا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ولا شك أن هذا الموقف مصالحة أو حل وسط يعكس اهتمام أكثرية أعضاء الهيئة العامة.

وعلى إثر صدور القرار أصدرت جبهة التحرير الوطني بيانا يشرح عدة نقاط من بينها ردٌ عن قرار الأمم المتحدة، فجبهة التحرير الوطني توجه ندائها الحاسم العلني لمنظمة الأمم المتحدة لكي تحكم بنفسها وتتخذ موقفًا محددًا وحاسمًا بصفتها الحارس الأمين على ميثاقها إلا أن فرنسا تجاهلت هذه القرارات واستمرت في عدوانها.

ثالثا : الدورة الثانية عشر"13 ديسمبر 1957"


وجدت فرنسا نفسها خلال الدورة الثانية عشر مفضوحة ومكشوفة أمام الرأي العالمي، من جراء تزايد الحرب داخل الجزائر واتساع نطاق الإبادة وإقامة المحتشدات بفعل الحرب، وقد قام مندوبوا الدول الإفريقية الأسيوية بفضح كل الممارسات الفرنسية الاستعمارية للجزائر نذكر منهم :

المندوب التونسي السيد سليم المنجي الذي تولى الرد على الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية الفرنسي، والذي وجه فيه تحذيرات للأمم المتحدة بأن لا تتدخل في قضية الجزائر التي هي قضية فرنسية داخلية وقال فيه : "بأن وجوده في هذه الجلسة ما هو إلا مجاملة للأمم المتحدة وليس اعترافًا بالتدخل في الشؤون الداخلية الفرنسية ".

وقد قام السيد المنجي والوفد المرافق له بفضح السياسة الفرنسية المتبعة في الجزائر من طرف الإدارة الفرنسية، وأوضحوا نواياها الخبيثة ضد الجزائر، ومع هذا فإن الوفد الفرنسي لم يبق مكتوف الأيدي في أروقة الأمم المتحدة، بل قام باتصالات مع بقية الوفود الحليفة له، لمجابهة الكتلة الإفريقية الأسيوية المناهضة له وقد برزت الولايات المتحدة الأمريكية كعنصر فعال مناهض ومعادي للقضية الجزائرية وهو ما وقف حائلا دون تقرير اللائحة التي تقدمت بها الدول الإفريقية الأسيوية.

في فيفري1957 تقدمت 18 دولة أفروأسيوية بدعوة هيئة الأمم المتحدة لفرنسا الاعتراف بحق الجزائر في تقرير مصيرها على أن يعقب ذلك مفاوضات بين الطرفين مع وجوب وقف القتال الدائر هناك.

أدى التأييد الذي لقيته فرنسا من الولايات المتحدة الأمريكية إلى عدم حصول المشروع على الأغلبية عند التصويت وكانت هذه اللائحة تنص على: "إن الجمعية العامة بعد مناقشتها للقضية الجزائرية وتذكر بقرارها الصادر في 15 فيفري 1957، تأسف بأن الأمل الذي عبرت عنه في قرارها لم يتحقق، وتعرف بأن مبدأ حرية وتقرير المصير ينطبق على الشعب الجزائري، وتذكر بأن الوضع في الجزائر مازال يتسبب في آلام خطيرة وأضرار فادحة في الأرواح" ويعبر عن أمله بأن تقوم مفاوضات في جو من التعاون الفعلي تؤدي إلى إيجاد حل يتماشى مع أهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة ولم تحضى هذه اللائحة بالموافقة واعتبرت ذلك انتصارًا للسياسة الفرنسية وللموقف الفرنسي في هيئة الأمم المتحدة.

ولما تم عرض هذا المشروع على التصويت الجزئي وافقت على الفترتين الأولى والثانية منه 33 دولة وعارضته 34 دولة وامتنعت 10 دول، ولهذا السبب ترددت الدول صاحبة المشروع في تقديمه للتصويت عليه جملة واحدة.

وحين تم عرض هذا المشروع تقدمت اليابان والفلبين وتايلندا بمشروع قرار معدل رقم 199 إلى اللجنة السياسية ينص على ما يلي : 

"إن الجمعية العامة نظرًا لحالة القلق والاضطراب في الجزائر التي تسببت في خسائر كبيرة في الأرواح، إيمانًا بأن هذه الحالة الغير مرضية التي تسود الجزائر يمكن لجهود مشتركة من فرنسا والشعب الجزائري الوصول إلى حل عادل طبقًا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، تعبر عن أملها في إيجاد تسوية سلمية عن طريق المفاوضات " ، وقد صودق عليه بالأغلبية بـ 47 صوتا مقابل 27 صوتا وامتناع 31 بلدا عن التصويت، كما تقدمت 6 دول بمشروع آخر تحت رقم 197 تعبر فيه عن أملها في الوصول إلى حل سلمي ديمقراطي، صودق عليه بالأغلبية 41 صوت ضد 33 وامتناع ثلاث دول.

ونتيجة لعدم وصول المصوتين للمشروع للثلثين، اتفقوا على إعداد مشروع تحت رقم 1012، نال موافقة الأغلبية المطلقة 77 صوتا ضد لا شيء، وكان ذلك يوم 15 فيفري1957 ينص على ما يلي: " إن الجمعية العامة قد سمعت إلى جميع البيانات التي أدلى بها المندوبون وناقشت قضية الجزائر، ونظرًا لأن الحالة في الجزائر تسبب كوارث وخسائر في الأرواح" ونظرًا للتذمر الذي ساد الكتلة الإفريقية الأسيوية نتيجة لرفض اللائحة فقد رأت ثلاثة دول: كندا والنرويج، إيرلندا ضرورة إجراء تعديل على هذه اللائحة ولكن هذا الاقتراح قوبل بالرفض القاطع من طرف الكتلة.

هذا التعديل يقضي بحذف الفقرة الرابعة من الديباجة التي تضمنت إجراء تعديل على هذه اللائحة من طرف النرويج، كندا، إيرلندا وتعويضها بما يلي : " نعرف بأن الشعب الجزائري له حق العمل من أجل مستقبله بطريق ديمقراطي، وكذا تعويض التوصية الأخيرة بالفقرة التالية : "نقترح مناقشات فعالة من أجل حل الموقف المضطرب ومن أجل الوصول إلى حل يتفق مع مبادئ وأهداف الأمم المتحدة"، وجرى التصويت حول المشروع رغم معارضة الكتلة وكانت نتيجته هي رفض من طرف 37 دولة وقبول من طرف 36 دولة وقد امتنع عن التصويت 6 دول.

وبعد مناقشات طويلة توصلت الجمعية العامة إلى قرار وسط، وصادقت عليه في 10 ديسمبر1957 تقدمت به مجموعة من الدول وينص على ما يلي : "إن الجمعية العامة بعد أن ناقشت القضية الجزائرية، ذكّرت بقرارها السابق الصادر في 15 فيفري1957 تعبر عن قلقها لتطورات الوضع" وفي الجزائر تسجل العرض المقدم من طرف ملك المغرب الأقصى "محمد الخامس" والرئيس التونسي بورقيبة لوساطتهما وبذل مساعيهما الحميدة لحل القضية، وتعبر عن رغبتها في روح التعاون الفعال بأن تبدأ المحادثات باستخدام وسائل أخرى ودية قصد الوصول إلى حل يتفق مع أهداف ومبادئ الهيئة، وموافقة الكتلة الأفروأسيوية راجع إلى أنه توجد نقاط عرضتها في مشروعها السابق وهي:

1. اعتبار القضية الجزائرية قضية دولية تدخل في اختصاصات هيئة الأمم.
2. يسجل عرض الوساطة المغربية والتونسية للقضية الجزائرية.
3. تسجيل رأي الأمم المتحدة في سلسلة المحادثات ومفاوضات الكتلة الأفروأسيوية حيث أرسلت مذكرة احتجاج ومما جاء فيها :

أ. قررت الحكومة الفرنسية بصفة انفرادية استبدادية أن تجري في الجزائر عملية الاستفتاء على المستوى الفرنسي.
ب. إن الحكومة الفرنسية متشبثة بمقولتها "الجزائر قطعة من فرنسا" .
ج. إن الجزائر ليست فرنسية ولا يمكن لأي كان تجاهل الحرب الاستعمارية التي تشنها فرنسا.
د. إن الدستور الفرنسي يهم فقط الشعب الفرنسي، وكلمة الشعب الجزائري لم يسمعها إلا بعد إرجاع حريته.
هـ. منذ الدورة الثانية عشر تحول النزاع من فرنسي جزائري إلى نزاع فرنسي إفريقي.
و. الدورة الثانية عشر لم تستطع التعبير بدور فعّال لإنقاذ السلام العالمي، ولذلك يجب التدخل لإرجاع فرنسا عن السياسة التي تتبعها.

نلاحظ من هذه الدورات الثلاث أن القضية الجزائرية حققت شيئًا مهمًا وهو إدراجها في جدول أعمال هيئة الأمم رغم أن المناقشات كانت تدور في المحور بسبب تصلب الموقف الفرنسي "الجزائر فرنسية، قضية داخلية"وكان الطرف المتجاهل والمهم هو جبهة التحرير الوطني التي تعتبر الناطق الرسمي باسم الشعب الجزائري.

المناقشات الجادة للقضية الجزائرية :


بقي دور الأمم المتحدة هزيلا حتى عام 1958، وأثبت الحل النهائي للقضية الجزائرية أن عامل الوقت كان دائمًا لصالح الثورة الجزائرية، وكلما امتد عمر الثورة ازداد معه التأييد العالمي لقضايا شمال إفريقيا بشكل عام والثورة الجزائرية بشكل خاص، وقد حصل على إثر قنبلة "ساقية سيدي يوسف" في 8 فيفري 1958، وهي قرية واقعة على الحدود التونسية الجزائرية والتي تعرضت لقصف جوي من قبل 25 طائرة فرنسية تغيير في الموقف الأمريكي المؤيد للسياسة الفرنسية، نظرا لما قامت به فرنسا من نقل جيوش من أوربا إلى الجزائر، وكان القلق الأمريكي لاعتباره إضعافًا للحلف الأطلسي.

وبتأزم الوضع في قارة إفريقيا عامة والقضية الجزائرية خاصة، وتدهور النفوذ العربي بصفة عامة، ظهر التغيير الطارئ على الرأي الأمريكي الذي له صدى كبير في هيئة الأمم المتحدة وفي مصلحة تطور القضية الجزائرية ويمكن اعتبار هذه الظروف الدولية الممهدة لبروز القضية الجزائرية مرة أخرى وبتطورات جديدة وبأكثر فعالية في هيئة الأمم المتحدة.

كما شهدت سنة 1958 تألق الدبلوماسية الجزائرية وتطورها بواسطة إنشاء حكومة رسمية ناطقة باسم جبهة التحرير الوطني الممثل الشرعي للشعب الجزائري، حيث أعلنت لجنة التنسيق والتنفيذ على تأسيس الحكومة المؤقتة، وذلك في الاجتماع الذي عقد بالقاهرة في 22- 28 أوت 1957، كما أكد ذلك مؤتمر طنجة عام 1958.

كان الهدف من إنشاء الحكومة المؤقتة هو إقناع الرأي العالمي بأن المفاوض الجزائري موجود وأن مهمتة الأساسية هي تحقيق الاستقلال، وتمكين الجزائر من إبداء صوتها في وسط عالمي والتهيئة لهذا العمل، وبذلك أصبحت تشرف على السياسة الداخلية والخارجية.

تلك هي سلسلة الأحداث الدولية التي سبقت وأثرت تأثيرًا إيجابيًا على الدورة الثالثة عشر لهيئة الأمم المتحدة.

الدورة الثالثة عشر : " 9 ديسمبر 1958 "


استمر الفرنسيون في مناوراتهم وحربهم العدوانية ضد الشعب الجزائري، واستغلوا المهلة التي منحتها إياهم الأمم المتحدة لا للبحث عن حل سلمي عادل للقضية، ولكن لمحاولة حلها عسكريًا قبل مجيء الدورة الثالثة عشر، وذلك بتعميم حرب الإبادة وتطبيق أبشع الممارسات الاستعمارية، لكن رغم ذلك فشلت فرنسا في سياستها، وجاءت الدورة الثالثة عشر للأمم المتحدة، ونوقشت القضية الجزائرية وكان ذلك بطلب الكتلة الأفروأسيوية.

في هذه الدورة تقدمت 24 دولة أفروأسيوية بطلب إلى الجمعية العامة لأجل مناقشة القضية الجزائرية في 9 ديسمبر1958، وقد ذكّرت المجموعة بالقرارات المتخذة سابقًا وأن الوضع في الجزائر يزداد سوءًا، وأن فرنسا لم تطبق قرارات الهيئة.

ومما جاء في طلب هذه المجموعة: "أن الحرب ظلت مستمرة في الجزائر دون هوادة فتسبب في تزايد الخسائر والأرواح البشرية، وليس هناك أية بادرة لوجود حل يتفق مع مبادئ وأهداف ميثاق الأمم المتحدة علائم تثير القلق ظهرت في الأشهر الأخيرة تدل على أن الوضعية قد ازدادت خطورة، لأن الحوادث قد اجتازت الحدود الجزائرية".

وبالفعل نوقشت القضية الجزائرية من طرف اللجنة السياسية كما قدمت 17 دولة مشروع اقتراح يشير إلى حق الجزائريين في الاستقلال وإلى استعداد الحكومة المؤقتة للدخول في مفاوضات مع الحكومة الفرنسية، لكن فرنسا لم تتقدم بأية خطوة جديدة واستمرت الحرب في الجزائر وتمت عملية التصويت من طرف اللجنة السياسية على المشروع الأساسي وأقر للمشروع بأغلبية 35 صوتا مقابل 18 صوتا مع امتناع 18عضوا عن التصويت، ولكن عند عرض هذا القرار على الجمعية يتحصل على أغلبية الكتلتين.

وقد استطاع الوفد الجزائري في الأمم المتحدة، وخلال دورتها الثالثة عشر أن يحقق الأهداف التي كانت قد رسمتها الحكومة المؤقتة، ومن بينها الاعتراف بها ولو ضمنيًا في المؤسسة العالمية والاعتراف بحق الشعب الجزائري في الاستقلال ووجوب التفاوض بين الطرفين وبذلك لم تجد فرنسا من بين 52 دولة إلا 18 دولة التي تساندها في سياستها الاستعمارية، وعندما وجد الجنرال ديغول نفسه مرغما على الاعتراف بحق الجزائر في استقلالها، مع فكرة التفاوض وتقرير المصير في عدة تصريحات صدرت عنه، كان أولها تصريح 16 سبتمبر 1959 حيث جاء بيانه كما يلي :

" إذا قدر لي الله الحياة فإنني ألزم نفسي بأن أسأل الجزائريين ماذا يريدون في النهاية، وأن أطلب من الفرنسيين أن يؤيدوا ما يختاره الجزائريون"، لكن يبقى التساؤل في هذا القول، هل يعني الجنرال ديغول أن الخيار بيد الجزائر أم بيد فرنسا؟ وما هي وجهة نظره في قضية تقرير المصير؟

ويتجلى لنا موقفه من خلال الدورة الرابعة عشر وتتضح لنا الإجابة عن كل هذه التساؤلات

الدورة الرابعة عشر " سبتمبر – ديسمبر 1959 " :


رغم اعتراف ديغول بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره في 16 سبتمبر1959 إلا أنه بقي حبرًا على ورق، ولذلك تدخل المندوب الباكستاني بالنيابة عن الكتلة الأفروأسيوية (22 دولة) وعرض قرارا معدلا "يستعجل الطرفين المعنيين للدخول في محادثات لتقرير البدء في تنفيذ حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره بما في ذلك شروط وقف إطلاق النار".  وقد مر هذا القرار بسهولة يوم 8 ديسمبر وحصل على 38 صوتا ضد 26 صوتا، وذلك بالرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن راغبة في استثارة عداء ديغول لهذا القرار، فقد أعطت صوتها ضد القرار وهو نفس الموقف الذي عبرت عنه المملكة المتحدة (بريطانيا) وقاطعت فرنسا الاجتماع بالطبع لأنها لا تزال مشكلة بزعمها "لا يحق للهيئة الدولية التعرض لمشكلة فرنسا من شؤونها الداخلية".  وفي أثناء انعقاد الجمعية العامة في 12 ديسمبر وقع شيء لا سابق له في تاريخ الأمم المتحدة، فوقت قراءة القرار وأخذ الرأي عليه في المجموعة بعد ذلك بدقائق، قلبت بعض الوفود رأيها فأصبحت البرغواي معارضة بعد أن كانت موافقة وكذلك فعلت أستراليا، الأكوادور، الهندوس، لاووس، إذ انتقلت من الامتناع عن التصويت إلى الرفض بينما ظهرت دولة "نيكاراغو" التي كانت غائبة أثناء دورة النداء لتعطي صوتا آخر بالرفض، ولهذا هزم القرار لما أسماه الوفد الفرنسي إستراتيجية وتعاون فرنسا مع مجموعة من أصدقاءها واستنكر الجزائريون وهم يشعرون بالمرارة، هذه النتيجة التي جاءت بسبب مناورات وضعف الحلف الأطلسي الذي وقع حازمًا على طلب فرنسا من أي قرار لصرف النظر عن مضمونه ومحتواه وقد ألزم الجزائريون الولايات المتحدة الأمريكية لممارسة الضغط على عدد من الدول الصغرى حتى تعطي صوتها بشكل مناسب، ثم غيرت الولايات المتحدة موقفها على أمل أن تهدئ من غضب الشعب الجزائري، لكنه في الوقت ذاته أغضب فرنسا إذ كانت تتوقع تضامنًا كاملاً مستمرًا.

وما يلاحظ من هذه الدورة هو تصدي الحلف الأطلسي حيث وجد نفسه هذه المرة محاصرًا، ولم يجد بين يديه ما يدافع به على الموقف الفرنسي الذي لم يعد قادرًا على التهرب من مسؤولياته.  لكن هذا الوضع لم يستمر طويلا حيث ستواجه هذه القرارات رد فعل دبلوماسي مؤيد للقضية الجزائرية.


هيئة الأمم المتحدة تساند القضية الجزائرية :


لقد أثرت القرارات المجحفة والمراوغات السياسية التي كان وراءها الحلف الأطلسي على الدبلوماسية الجزائرية، وزادتها عزما على مواصلة المطالبة بالحقوق المشروعة والاعتماد على الشعب الجزائري، في حين واصلت فرنسا حربها الشرسة، وضاعفت من مخططاتها الاستعمارية والعسكرية والسياسية الهادفة إلى إبقاء الجزائر فرنسية حيث شهدت الفترة ما بين "1959 – 1960" اتساع رقعة الحرب واشتداد أوتارها حيث قال ديغول "أن الذين سبقوه لم يحضنوا الحرب كما ينبغي"، فظهرت عدة مشاريع لتقسيم الجزائر وكلها باءت بالفشل إضافة إلى ظهورعدة مشاريع سياسية وعسكرية كمشروع شال، كما وضع عدة عراقيل أمام مفاوضات مولان التي كانت بطلب منه وتمت في الفترة ما بين 25-26 جوان، حيث حضر عن الوفد الجزائري: السيدان أحمد بومنجل، محمد الصديق بن يحي أما ممثلا فرنسا فهما روجي موريس والجنرال صومسيردي كاين، وقد اصطدم المبعوثان الجزائريان بالموقف الفرنسي خلال المحادثات والذي تمثل في أن فرنسا وحدها هي التي تقترح الحل وما على الجزائريين إلا أن يقبلوا، كما حدّد الطرف الفرنسي شروط اللقاء والتفاوض بكيفية انفرادية وهذا ما رفضه ممثلا الحكومة الجزائرية ويبدو أن الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية تفطنت لمراوغات تحوُّل السياسة بخصوص حق تقرير المصير وتطبيقه، لأجل ذلك سعت إلى تدويل هذا المسعى وذلك من خلال تقديم مذكّرة إلى هيئة الأمم في 22 أوت 1960، تدعوها إلى الإشراف على عملية الاستفتاء الخاص بحفظ تقرير المصير للشعب الجزائري.

أما بالنسبة للموقف الدولي فنلمسه جليا في تطور موقف حلفاء فرنسا حيال القضية الجزائرية والذي انعكس على الرأي العام الفرنسي، فظهر الانقسام داخل فرنسا، وهذا ما عكس موقف فرنسا المتعدد، ووضع موقف الحكومة أمام مفترق الطرق حيث أجبرت أن تختار الطريق الصحيح لإيجاد الحل الملائم للقضية الجزائرية لكن مراوغات ديغول ظلت مستمرة وفي هذا الشأن لجأ إلى فكرة التعاون مع دول العالم الثالث بدلا عن سياسته الاستعمارية، سياسة المفاوضات بدلا عن سياسة المدفع.

الدورة الخامسة عشر " ديسمبر 1960 "


أدرجت القضية الجزائرية في جدول أعمال الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة بعد الطلب الذي تقدمت به "25 دولة إفريقية أسيوية" إلى السكرتارية العامة لهيئة الأمم لإدراج القضية الجزائرية في دورتها 15 وذلك يوم 20 جويلية 1960، وقد وقّع عليها مندوبوا الدول الآتية:

أفغانستان، السعودية، العراق، إيران، الأردن، لاووس، لبنان، ليبيريا، ليبيا، ماليزيا، المغرب، النيبال، باكستان، الفلبين، الجمهورية العربية، السودان، تونس، اليمن.

 وكان ذلك في غياب الوفد الفرنسي، وتميزت هذه الجلسات بتدخل العديد من الوفود الحاضرة أعربوا فيها عن ارتياحهم لقبول حق تقرير المصير من قبل الطرفين المتحاربين الذي أعلنه الجنرال ديغول بتصريح 16 سبتمبر1959، فكانت الفقرة الرابعة التي تطالب الأمم المتحدة بالإشراف على الاستفتاء في الجزائر أُدخل عليها تعديل جديد يدعوا الأمم المتحدة إلى الإشراف على الاستفتاء في الجزائر، فإنه لم ينقصها سوى صوت واحد للحصول على أغلبية الثلثين.

وأصبح نصها كالآتي : "إن الجمعية العامة لما كان الطرفان الجزائري والفرنسي قد اتفقا على قبول مبدأ تقرير المصير تقرر ما يلي :

1- حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره واستقلاله.
2- الحاجة الماسة لإيجاد ضمانات وتنفيذها على أساس احترام وحدة التراب الجزائري.
3- إن الجمعية العامة هي المسؤولة على تنفيذ هذا القرار بصورة كاملة.

وتحصل هذا المشروع المعدل على أغلبية 68 صوتا ضد 27 صوتا، وقد امتنعت ثمانية وفود.

ويعتبر تصويت الأمم المتحدة على مساندة القضية نصرًا كبيرًا للثورة الجزائرية إذ أن الأمم المتحدة تبنت بهذا التصويت كثيرًا من المبادئ التي تكافح ثورتنا من أجلها، واعترفت بحق الشعب الجزائري في الاستقلال، ونادت بوجوب المحافظة على الوحدة الترابية للقطر الجزائري، وهذا يعد إنذارًا رسميًا من الأمم المتحدة للحكومة الفرنسية التي تريد تجزئة التراب الجزائري وفصل المناطق الغنية عن بقية القطر الجزائري وإبقاءها تحت السيطرة الأوربية والحكومة الفرنسية بصورة مباشرة كما أن الأمم المتحدة بهذا التصويت تعترف بضرورة توفير الضمانات الكافية لتطبيق تقرير المصير تطبيقًا سلميًا وبمسؤوليتها في ذلك.

كانت هذه الحوادث البارزة في هذه الفترة من الجهة الأولى، مظاهرات 11 ديسمبر1960، التي قامت بها إطارات جيش التحرير الوطني وجبهة التحرير الوطني إذ خرج الشعب الجزائري كالسيل العارم في 11 ديسمبر1960 في أغلب المدن الجزائرية كالجزائر، وهران، قسنطينة، عنابة، باتنة، سطيف، تلمسان، سيدي بلعباس، البليدة، تبسة، بسكرة، بجاية في مسيرات منتظمة ضمن عشرات الآلاف من الجزائريين رجالاً ونساءً وشيوخًا وشبانًا حاملين الأعلام الجزائرية واللافتات، وأثناء المظاهرات اصطدم العدو بكل وحداته وشرائحه فتراجع عن موقفه الذي أظهر فيه العداء للجنرال ديغول يوم 9-10 ديسمبر1960، و وحد صفوفه المتكونة من وحدات الجيش والمليشيات المدنية ليواجهوا المظاهرات السلمية ، وأثناء مظاهراتهم كانوا يسعون بكل الوسائل لإشراكهم فيها وقاموا بجملة من الأعمال التعسفية التي أدت إلى إشتباكات بين الجزائر من جهة أخرى، وقد زاد من إذكاء هذه الأعمال والاصطدامات والاشتباكات بالفرق والدوريات العسكرية.

وقد قامت وسائل الإعلام التي عايشت الحدث التاريخي بدور هام في نقل المظاهرات بكل حقائقها وواقعية ونزاهة، الشيء الذي أدى إلى التعريف والتشهير عالميًا بالوضع السياسي والعسكري في الجزائر، وهو ما يزيل الشك من موقف وصمود الشعب الجزائري في جدته وتصميمه على خوض المعركة التحريرية تحت قيادة جبهة التحرير الوطني.

ونظرًا لهذا الضغط الإعلامي فإن بعض الجمعيات المناهضة للاستعمار أصدرت الوثيقة المشهورة التي شارك فيها رجال الفكر والأدب في أواخر1960 والتي أمضاها121شخصية فرنسية، وقد استنكر رجال الكنائس ما يجري في الجزائر، وطالبوا الحكومة الفرنسية بفتح ملف الجزائر والشروع في المفاوضات مع قادة جبهة التحرير الوطني لإيقاف الحرب في الجزائر، ووضع الانتهاكات المستمرة في حق المواطنين.

ومن نتائج هذه المظاهرات العظيمة التاريخية من 11-12 ديسمبر1960 ما يلي:

- اندهاش السلطة الاستعمارية وعلى رأسها الجنرال ديغول لهذا الانفجار الشعبي المنظم في مظاهرات عارمة سلمية عبر مدن الوطن، وقد عبرت عن الوحدة والتضامن، وعن إرادة الشعب الجزائري السياسي الذي لم يتقهقر ولم يصبه الوهن أو الفشل رغم ما سلطه عليه المستعمر من ألوان التعذيب والتقتيل والتدمير، ولم ينسلخ عن قيادة جبهة التحرير الوطني الذي هو وعاؤه ودرعه.
- إن المعركة التي خاضها الشعب أثناء المظاهرات، ضد قوات العدو المدنية والعسكرية قد كان لها أبلغ صدى، وأعمق أثر في العالم وبالأخص في رواق منحى الأمم المتحدة.
- إن ما نشرته الصحف العالمية عن هذه المظاهرات يعد انتصارًا ساطعًا للقضية الجزائرية وشهادة في قبضتهم وتحت رحمة الوحدات القمعية DOP، وأن المدد العسكرية لم يصل من الخارج إلى جيش التحرير الوطني بسبب خطي "شال"و"موريس" وأن الثورة في حالة احتضار.

إن هذه الانتفاضة الشعبية كذبت هذه الأقاويل والأوهام وقضت على مشروع الجنرال ديغول عن القوة الثالثة، وعن اعتقاد السلطة الاستعمارية، وعن مظاهرات الأوربيين، وقد خرجت الحكومة الجزائرية منتصرة قوية معززة الجانب، ولهذا حاولت جبهة التحرير الوطني من خلال هذه الدورة أن تحصل على تدخل الأمم المتحدة في الإشراف على الاستفتاء حول تقرير المصير في الجزائر و رغم هذا فإن الجمعية العامة لم تستجب لطلب الحكومة بإجراء استفتاء تحت إشرافها، فإن قراراتها المشار إليه يعتبر نصرًا للقضية في المحافل الدولية.

الدورة السادسة عشر ( نوفمبر – ديسمبر 1961 )


تعتبر الدورة السادسة عشر من أهم الدورات بالنسبة للقضية الجزائرية، لأنها تميزت بسير المشكلة الجزائرية إلى حلها النهائي، خاصة بعد إخفاق مفاوضات إيفيان 13 جوان 1961، ومحادثات "لوقران Lugrin" في 20– 29 جويلية 1961 بسبب الاختلافات حول مشكلة الصحراء.  ونتيجة للتطور الذي حدث على الساحة الدولية بالنسبة للقضية الجزائرية، والذي رأيناه في الدورات الأخيرة فإن الدعم الدولي والانتصار زاد من الاهتمام بالقضية الجزائرية لأجل التوصل إلى حل نهائي لها، لأنها تشكل خطرًا على الأمن والسلام العالميين.  بعد فشل القوات الاستعمارية في عملية التمشيط التي قامت بها ضد جيش التحرير الوطني، سعت الإدارة الفرنسية لتطبيق سلسلة إصلاحات لم تزد عن أنها كانت شكلية سرعان ما فشلت أمام تصاعد العمل الفدائي في المدن والقرى.

ومن جديد توفرت الشروط المناسبة للعودة إلى المفاوضات، وأصبح الاهتمام كله يدور حول المناقشات بين مبعوثي الحكومة الفرنسية ومندوبي الحكومة المؤقتة وبذلك كان طلب إدراج القضية الجزائرية في جدول أعمال الجمعية العامة قد جاء من طرف 42 دولة أفرو أسيوية التي أكدت على عودة الهيئة لمناقشة القضية لأن المفاوضات بين الطرفين لم تؤد إلى نتيجة مثمرة.

وقد ذكّرت المجموعة في طلبها للجمعية العامة بقرارها المتّخذ في الدورة الخامسة عشر، والذي يعترف بحالة الحرب في الجزائر التي تهدد السلم والأمن الدوليين ووافقت الجمعية العامة على إدراج القضية الجزائرية في جدول أعمالها وإحالتها على اللجنة السياسية الأولى لمناقشتها.

وبذلك أكدت هذه اللجنة في دورتها هذه على دراسة ومناقشة كل تفاصيل القضية الجزائرية ليوم 14 ديسمبر1961، وتمت المصادقة على اللائحة دون النقاش حولها بسبب الخطوات التي قطعتها القضية الجزائرية والتطورات التي حدثت في الفرنسي وقد تضمنت هذه اللائحة المقدمة الدعوة إلى استئناف المفاوضات من أجل تطبيق حق تقرير المصير وحصوله على استقلاله الكامل وهذا نصها: "إن ممثلي الدورة الإفريقية الأسيوية بعد أن عبروا عن أنفسهم أمام استمرار الحرب في الجزائر، ولاحظوا عزم الطرفين المعنيين بالأمر، والبحث عن حل تفاوضي سلمي على قاعدة حق الشعب الجزائري في تقرير المصير وفي الاستقلال، فإنهم يدعون الحكومة الفرنسية المؤقتة لاستئناف التفاوض من أجل حق تقرير المصير والاستقلال وذلك في نطاق احترام وحدة وسلامة الوطن الجزائري.

وعلى هذا الأساس فإن الجمعية العامة تدعوا الطرفين إلى استئناف المفاوضات التي تهدف إلى حصول الشعب الجزائري على تقرير مصيره مع احترام وحدة الجزائر، وأثناء بدأ مناقشة هذا القرار في اللجنة السياسية والتصويت عليه، ظهر هناك نوع من التحيز من بعض الدول إلى فرنسا، ولكل واحد من هذه الوفود أسبابه، فمنهم من لا يقبل بكلمة الحكومة الجزائرية المؤقتة، ومنهم من يرى مادامت رغبة الطرفين قد تمت على البدء في المفاوضات فإنه لا حاجة للتصويت على مثل هذا القرار، وكما رأى طرف آخر بأن هذا القرار يتناقض مع وجهة نظر فرنسا وأنه اقتصر على الدعوة إلى استئناف المفاوضات، ونتيجة لهذه المواقف نستطيع أن نلمس نية هذه الدول في التحيز إلى فرنسا وإلى الدول الاستعمارية.

وأخيرًا وافقت الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة بأغلبية 62 صوتا وامتناع 37 صوتا عن التصويت ومن بين هذه الدول التي امتنعت عن التصويت كل من :

جمهورية إفريقيا الوسطى، إسرائيل، الأرغواي، تشاد، أستراليا، مقابل لا شيء على لائحة اللجنة السياسية التي تطلب من الحكومة الفرنسية والحكومة الجزائرية استئناف المفاوضات من أجل حق تقرير المصير واستقلال الجزائر في إطار الوحدة الترابية للجزائر.

وبهذه النتيجة اعتبر القرار المعلن عنه، والذي صوتت عليه الأغلبية بمثابة نصر للقضية الجزائرية، لأنه اعتراف للشعب الجزائري بحقه في تقريره مصيره وسيادته ووحدته الترابية، وكذلك اعتراف الأمم المتحدة بالصفة الدولية للحكومة الجزائرية المؤقتة وأن القضية الجزائرية هي قضية استعمار لأنها تهدد السلم والأمن الدوليين وهي تشغل بال الأمم المتحدة.

ومن خلال كل ذلك نستنتج أن الحكومة المؤقتة الجزائرية كانت تدعوا إلى التفاوض، أي اختارت الطريقة السلمية، أما الكفاح المسلح فلم يكن إلا وسيلة لتدعيم موقفها السياسي على عكس ذلك ما نلمسه في السياسة الفرنسية التي تدعوا دائمًا إلى التصعيد العسكري، واتباع سياسة الإصلاحات في الجزائر التي تخدم القضية وحقه في الاستقلال، إضافة إلى الدور الذي لعبته الكتلة الأفروأسيوية التي تبنت القضية الجزائرية وعملت على إدراجها ومناقشتها في جلسات هيئة الأمم المتحدة.

هذه العوامل مجتمعة ساهمت في تفعيل دبلوماسية الحكومة المؤقتة وزجّت بالحكومة الفرنسية للدخول في مفاوضات جدية على أساس الاعتراف بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره تحت رعاية أممية.

وتمثل ذلك في مفاوضات إيفيان التي تم الاتفاق على أن يكون يوم 20 ماي 1961 بداية لها من مدينة إيفيان، واعتراف الشعب الفرنسي باستفتاء 8 يناير1961 بحق اختيار الجزائريين بشأن مصيرهم السياسي بالنسبة للجمهورية الفرنسية، وقد انتهت هذه المحادثات يوم 18 مارس 1962، بالنتيجة التالية:

تم الاتفاق على وقف إطلاق النار وأمر باسم الحكومة الجزائرية المؤقتة بإنهاء العمليات العسكرية والكفاح المسلح في الأراضي الجزائرية يوم 19 مارس 1962 على الساعة الثانية عشر، وقد تم بالاتفاق المشترك على تحديد المنظمات الخاصة بتنفيذ تقرير المصير وتنظيم السلطة في الجزائر، وأثناء فترة الانتقال حيث تكون دولة مستقلة ذات سيادة عقب تقرير المصير، وقد كان وقف إطلاق النار بداية للمرحلة الانتقالية للثورة الجزائرية يوم 18مارس 1962 إلى غاية تنظيم الاستفتاء الذي أعلن عن نتائجه يوم 3 جويلية 1962 حيث صوت الشعب الجزائري لصالح الاستقلال.

خلاصة دورات الأمم المتحدة :


1- دورتا الحادية عشر، والثانية عشر "1956 – 1957" كانت القضية الجزائرية تحت الملاحظات والنضج السياسي.
2- دورتا الثالثة عشر، والرابعة عشر "1958–1959" أكدت مسؤولية جمعية الأمم المتحدة في القضية الجزائرية والاهتمام المتزايد  لمجموعة الدولية لثورة الجزائر وقد كانت بعض المحاولات من الدول الغربية لإخماد كل المبادرات لإيجاد حل لقضية الجزائر.
3- دورتا الخامسة عشر والسادسة عشر "1960 – 1962" هاتان الدورتان عززت وأكدت مسؤولية جمعية الأمم المتحدة لحل القضية، و وضع حد للصراع القائم بين فرنسا الاستعمارية، والشعب الجزائري الذي أراد حريته واستقلاله، وإن القضية الجزائرية هي التي كانت سببا في طرح قضية الاستعمار في العالم لجمعية الأمم وسهلت للدول الإفريقية أن تنال استقلالها.

عن المدون Algeria Gate

بوابة الجزائر موقع تثقيفي يُعنى بالشأن الجزائري خصوصا دون الحصر و يرحب بمشاركة القرَّاء.
»
السابق
رسالة أقدم
«
التالي
رسالة أحدث

2 comments :