» » » الحركة النقابية و العمالية في الجزائر بين عامي 1830 و 1962

الحركة النقابية و العمالية في الجزائر


برزت الحركة العمالية والنقابية في الجزائر كرد فعل على الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للجزائر الذي فرضه الاحتلال الفرنسي من حيث الرغبة الجامحة في الاستحواذ على كل شيء وتسخير موارد البلاد لخدمة الاستعمار الفرنسي منذ احتلال الجزائر عام 1830 وحتى الاستقلال عام 1962.

الحركة العمالية والنقابية في الجزائر منذ الإحتلال حتى تأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين:


يمكننا القول ان الحركة العمالية في الجزائر ابتدأت منذ دخول المحتل الفرنسي ارض الجزائر عام 1830 ، حيث كان الفرنسيون قد سبقوا الجزائريين في تنظيم انفسهم داخل نقابات للحصول على حقوقهم حيث تجمعت عدة نقابات أوروبية في تنظيم واحد عُرف ب "الكنفدرالية العامة للعمل" (La Confederation Generale du Travial). ومع ان بداية تشكل الفئة العاملة الجزائرية تعود الى وقت مبكر من العهد الاستعماري الا انها لم تبلغ الحجم ودرجة التنظيم التي تجعل منها قوة اجتماعية مؤثرة بسبب القيود التي وضعتها القوى الاستعمار.

لقد بدأت المسيرة الطويلة للفئة العمالية الزراعية الجزائرية منذ عام 1871 تلك المسيرة التي كان هدفها طرد المحتلين واستعادة ملكية الارض المنتزعة من قبل المستعمرين، انها مسيرة طويلة للفئة العمالية الفلاحية المعدمة والمحطمة من دفع الضرائب والغرامات
والخاضعة لنظام الادارة الفرنسية، وعلى الرغم من ذلك فقد واصلت النضال معلنة متابعة المعركة ضد المستعمرين بصور متعددة.

قامت السلطات الفرنسية بإصدار قانون عام 1881 ينص على توجيه عقوبات صارمة ضد النقابات التي تقبل في عضويتها العمال
الجزائريين، ولذلك تميزت المرحلة الاولى للكفاح العمالي الجزائري بإلانضمام الى عضوية النقابات الفرنسية، ثم طرح مطالبهم ضمن اطار هذه النقابات، الا ان ذلك لم يستمر طويلا بسبب الصراع بين القيادات النقابية الجزائرية والفرنسية، فقد قام بعض النقابيين الفرنسيين بالدفاع عن الوجود الاستعماري الفرنسي وتبريره مقابل تنامي روح الاستقلال والتحرر وشعور العمال الجزائريين بالاضطهاد القومي الذي كانت تمارسه السلطات الفرنسية حيث بلغ الاستعمار الفرنسي ذروته في الفترة مابين عامي 1870-1914 فسيطر المستوطنون  الفرنسيون على ثروات البلاد وادارتها، وتحطمت اركان المجتمع الجزائري سواء كانت القبلية او الهيئات القيادية في المجتمع التي تعتمد على الاصل او المال او الزعامة الدينية، وتحول معظمهم الى عمال لدى المستعمر الفرنسي.

بدأت بوادر الكفاح النقابي الجزائري في اضرابات عمال النقل والخدمات الجزائريين في عامي 1903-1907 ونظرًا لتطورات الوضع على الساحة العالمية وتأزم الوضع بين دول العالم الكبرى، فقد اصاب الحركة العمالية الجزائرية الخفوت بسبب اشتعال الحرب العالمية الاولى 1914-1918. وقد امتازت السياسة الفرنسية آنذاك تجاه المستعمرات باللين والوعود البراقة التي تتضمن اجراء الاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في حال انتصار التحالف الاوربي ضد دول الوسط، كما طلبت فرنسا من ابناء المستعمرات بما فيها الجزائر المشاركة في الحرب لمنحهم المزيد من الحقوق السياسية والاقتصادية، ووصلت الوعود الى القول بجلاء القوات الفرنسية من اراضيهم. الا ان هذه الوعود تلاشت بعد الحرب وعادت السياسة الفرنسية على سابقتها بقتل واعتقال المناهضين لوجودها داخل التراب الجزائري.

ومع ذلك ازدادت النقابات الفرنسية في الجزائر وبلغت عام 1924  341 نقابة، 203 نقابة منها في الجزائر، و 82 نقابة في وهران، و 59 نقابة في قسنطينة، كما وارتفع عدد العمال الجزائريين المهاجرين من الريف الى المدينة مما ادى الى قيام النقابات الفرنسية بإحتواء التحرك العمالي الجزائري الذي نما وترعرع في رحم المؤسسات الفرنسية ليتحول فيما بعد الى اداة لهدم النقابات الفرنسية وانهاء وجودها.

لقد شهدت الحركة العمالية الجزائرية في عشرينات القرن العشرين تغيرًا واضحًا، فقد بدأ العمال بتنظيم صفوفهم والاستقلال عن النقابات الفرنسية فرفعوا شعار (الحرية والاستقلال) بد ً لا من شعار (الاندماج والمساواة) الذي كان سائدًا انذاك. ومن اشهر الاضرابات التي شهدتها تلك الحقبة كانت اضرابات عام 1920 و 1924 ضد البواخر المحملة بالخمور.

وفي عام 1927 شارك المندوب عن عمال الجزائر في مؤتمر الرابطة الدولية من اجل استقلال الشعوب في بروكسل، واستطاع ان يقنع المؤتمرين بالتصويت على قرار يدعو الى استقلال الجزائر واعطائها حرية حق تقرير المصير والمساواة في الحقوق السياسية وبعد عام 1931 اخذت فكرة السماح للعمال الجزائريين بإنشاء نقابات خاصة بهم تأخذ مجالها وبحلول عام 1934 نظمت الحركة النقابية العربية اول احتفال لها بمناسبة الاول من ماي، كما ساعد العمال المزارعين في وهران وسيدي بلعباس وبجاية اضرابات عمال السكك الجزائريين في العاصمة ضد العمال الفرنسيين.

1935، انطلاقة جديدة للحركة النقابية الجزائرية :


على اثر صعود الجبهة الشعبية للحكم في فرنسا بقيادة ليون بلوم، شهد عام 1935 انطلاقة جديدة للحركة النقابية الجزائرية وازداد في ذلك الوقت انشاء اللجان العمالية والنقابية.   ففي ندرومة قام الفلاحون والمعلمون والطلاب وصغار التجار بتأسيس لجنة محلية لهم، وفي عام 1936 تأسس الاتحاد المستقل للعمال المزارعين تحت ظل اللجنة العامة للعمال وضم 40.000 عامل، ولم تتوقف مشاركة الحركة العمالية في تنظيم الفئات الفلاحية في القرى على العمال المزارعين فقط بل امتدت كذلك الى الصغار الفلاحين وتكونت على اثر ذلك نقابات صغيرة للفلاحين في مناطق لورسينس والاوراس.

و بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عادت الحركة العمالية الى مزاولة نشاطها النقابي الوطني فبدأت بعدة اضرابات ومظاهرات في المدن الجزائرية مثل وهران وعنابة، الا ان الحكومة الفرنسية بدلا من ان تستجيب لمطالب الشعب الجزائري وحركته العمالية واجهت ذلك بالرصاص والاعتقالات وتكثيف الاجراءات القمعية، ثم ارتكبت المجازر بحق الشعب الجزائري ولاسيما في عام 1945 حيث تجاوز عدد الشهداء 40.000 شهيد، وعند ذلك ادرك الشعب الجزاري وحركته العمالية بضرورة تطوير المواجهة ووضع اسس جديدة للكفاح تبلورت فيما بعد بالكفاح المسلح.

وفي عام 1947 شكلت هيئة مركزية للقضايا العمالية وعهد الى رئاستها للمناضل النقابي عيسات ايدير، وفي عام 1948 اخذت اللجنة المركزية للحركة العمالية على عاتقها بناء التشكيلات النقابية في القطاعات الاقتصادية والتجارية والمهنية، ويعد الاول من
نوفمبر عام 1954 بداية لمرحلة جديدة شهدت انتهاء العلاقة بين الحركة العمالية الفرنسية والحركة العمالية الجزائرية، فقد حدد النقابيون الجزائريون موقفهم بصورة نهائية من الوضع الشاذ للوجود الفرنسي في الجزائر ومن المؤسسات الرسمية والمهنية التي تعكس وجه النظام الاستعماري البشع و اعلنوا موقفهم من جبهة التحرير الوطني الجزائري وحمل السلاح مع المناضلين لتحرير الجزائر بعد استعمار ابتدأ منذ عام 1830.

1956، ميلاد الاتحاد العام للعمال الجزائريين:


تكون الاتحاد العام للعمال الجزائريين، وهو اول تنظيم نقابي مستقل، خلال حرب التحرير الوطني بعد أن شعر العمال بضرورة بناء تنظيم مستقل للعمال الجزائريين داخل اللجنة العامة للعمال حيث اعلنت اللجنة والاتحاد العام للنقابات الجزائرية الارتباط الدائم بينهما فيما يخص القرارات والبرامج المطلبية.

فجاء تأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين بتوجيه من جبهة التحرير الوطني لاعطاء نفس جديد للثورة بواسطة جمع شمل الفئة العاملة الجزائرية في تنظيم نقابي واحد للمساهمة في الدفاع عن مصالح العمال المادية والاجتماعية، و تحرير البلاد من الاستعمار
الفرنسي، فكان ميلاد الاتحاد في 24 فبراير 1956.

وجاء ميلاد الاتحاد العام للعمال الجزائريين رافدًا هامًا من روافد الثورة التي خاضها بهدف واضح الا وهو تعبئة العمال ضد الاحتلال الفرنسي، ومن اجل العمل على المسألة النقابية الجزائرية وتجنيد عمال العالم دعمًا للنضال الذي يخوضه الشعب الجزائري بهدف طرد الاحتلال الفرنسي والوصول الى الاستقلال، وقد انضم الاتحاد فور تأسيسه الى الاتحاد الدولي للنقابات الحرة وحصل على دعم متواصل في نضاله ضد الاستعمار بمختلف المحافل الدولية.

ومن بين الاعضاء الذين اسسوا الاتحاد العام للعمال الجزائريين :
عيسات ايدير
بن عيسى عطا الله
بورويبة بو علام
جرمان رابح
علي يحيى مجيد

وكان هؤلاء اعضاء السكرتارية الوطنية الاولى. اما اعضاء المكتب التنفيذي فهم:

مادا محمد
عمراني عبد القادر
لميني عمار
حدادي مسعود
عياش محمد

 اما اعضاء اللجنة التنفيذية الوطنية فهم :
رباح سليمان
عبيد محمد
حناشي معيوف
بورويبة حسن
قايد الطاهر
بو جلال علي
ربيع محمد 
فليسي محمد

الموقف الفرنسي من الإتحاد العام للعمال الجزائريين: 

لم تكن السلطات الفرنسية غافلة عن نشاطات الاتحاد فإنطلقت شرارة القمع الفرنسية ابتداءًا من شهر ماي عام 1956 فقد مارست سياسة:

السجن والاعتقال:  تعرض العديد من النقابيين الجزائريين الى الملاحقة والاعتقال بتهم متعددة وملفقة منهم عيسات ايدير مع 40 ناشط نقابي بعد ثلاثة اشهر من تأسيس الاتحاد، ومع ان التهمة لم تثبت عليه الا انه تعرض لأبشع انواع التعذيب من قبل المظليين و قامت بسجن السكرتير العام للاتحاد في المعتقل المركزي في 24 ماي 1956.  وفي 27 /مارس/ 1956 أخذ كل من الطاهر الجابي وهو سكرتير نقابة عمال المستشفيات من مدينة قسنطينة وعلي بدور من نقابة عمال السكك الحديدية وبزور من نقابة عمال البلدية، من اماكن عملهم وبعد ان اتخذت عدة اجراءات ضدهم، أعدموا.

القضاء على الصحافة العمالية:  كان من الطبيعي ان يكون للحركة العمالية صحافتها الخاصة التي يعبر فيها عن مواقفها وآرائها السياسية وابرز هذه الصحف هي (العامل الجزائري) التي صدر أول عدد منها في 7 أبريل 1956 لكنها اقفلت ثلاثة عشر مرة من المرات الخمس عشرة التي صدرت  فيها، ولهذا اوقف صدورها في الجزائر.

مصادرة العقارات:  لقد سلب جنود الاحتلال الفرنسي جميع عقارات الاتحاد العام للعمال الجزائريين ونهب جميع مافيها، وصودرت امواله التي بلغت 450.000 فرنك فرنسي، وقد اغلق مصرف العمال في جانفي 1957 وحجزت امواله، واغلقت جميع مقرات النقابات العمالية في الجزائر بواسطة القوات العسكرية الفرنسية في فبراير 1957.

الخلاصة


لقد لعب الإتحاد العام للعمال الجزائريين، دورًا كبيرًا ومميزًا في تنظيم الفئة العمالية الجزائرية ورص صفوفها لخدمة أهداف الثورة التحريرية، وأزداد هذا الدور وتجذر بعد مؤتمر الصومام الذي خرج بتصور مستقبلي للإتحاد العام للعمال الجزائريين والدور المنوط به في عملية النضال والتنمية. وقد برز دور الفئة العاملة الجزائرية في المهجر وبصفة خاصة في فرنسا، إذ اسهم العمال الجزائريون مساهمة فعالة وكبيرة في دعم الثورة من خلال الاشتراكات المالية التي كانوا يدفعونها لفروع فدرالية جبهة التحرير الوطني في مختلف المدن الفرنسية للثورة وقد وصلت اشتراكات العمال لحد 30 فرنكًا لكل عامل، وتجدر الإشارة أن عدد المشتركين سنة 1961 كان 135.202 عاملاً. وقد بلغ ما كان يجمعه العمال 500 مليون فرنك فرنسي. وكذلك برز دور الفئة العاملة بعد نقل الحرب إلى فرنسا، وفتح جبهة ثانية، وفي هذا الإطار تعرضت مدينة باريس والمدن الفرنسية الأخرى لعدة أعمال فدائية. فضلا عن تنظيم الإتحاد لعدد من الإضرابات في ربوع الوطن وخارجه وقد نفذ الإتحاد برامج وأهداف الإضرابات بكل دقة وإحكام وهذا يدل على الوعي والنضج السياسي الذي تتمتع به الفئة العاملة في الجزائر إبان الثورة. وقد أكدت مشاركة الإتحاد في هذه الإضرابات للرأي العالمي؛ على وحدة الشعب الجزائري ومدى تعلقه وتمسكه بمبادئ جبهة التحرير الوطني الممثل الوحيد والشرعي للشعب الجزائري.


عن المدون Algeria Gate

بوابة الجزائر موقع تثقيفي يُعنى بالشأن الجزائري خصوصا دون الحصر و يرحب بمشاركة القرَّاء.
»
السابق
رسالة أقدم
«
التالي
رسالة أحدث

ليست هناك تعليقات :

ترك الرد