» » » حروب الجيل الرابع و ثلاثية التفتيت والتهديد وغياب اليقين

حروب الجيل الرابع و ثلاثية التفتيت والتهديد وغياب اليقين


بدأ الحديث عن «حروب الجيل الرابع» في نهايات القرن الماضي وتحديدا في عام 1988 وهو تاريخ تأسيس تنظيم القاعدة.  ففي هذه الفترة خاصة في منطقة الشرق الأوسط، عادت مرة ثانية أساليب حروب المرتزقة والعصابات والجماعات المسلحة غير النظامية.  و وسط كل هذه التغيرات وبسببها، أعيد تعريف بعض المفاهيم التقليدية في الحروب مثل «ميدان المعركة» و«المحارب» و«السلاح» و«النصر».

فالنصر العسكري فقط لم يعد يكفي لتحقيق الأهداف الاستراتيجية، وأصبح هدف العمليات العسكرية تدمير الخصم داخلياً وليس فقط في ميدان المعركة، واستهداف إرادته السياسية وليس فقط قدراته العسكرية.  و الأسلحة المناسبة لتحقيق ذلك ليست أسلحة الدمار الشامل التقليدية، بل ما تمت تسميته أسلحة «التعطيل الشامل» للدولة و«التدمير المعنوي الشامل» لمواطنيها. وتدمير الروح المعنوية يمكن تحقيقه باستخدام ثلاثية التفتيت والتهديد وغياب اليقين:

أما التفتيت فيعني تدمير المشترك الثقافي والفكري الذي يحافظ على تماسك مجتمع الخصم وتحويله إلى مجموعات صغيرة عن طريق الشك والريبة وانعدام الثقة، ويتم ذلك بتغذية الصراعات الثقافية والعرقية والدينية وزيادة أسبابها ونطاقها.    وقد فعلت إسرائيل ذلك أثناء الأزمة الكروية – السياسية بين مصر والجزائر في 2010 حيث انتشرت لجان الجيش الإلكتروني – الإسرائيلي على مواقع التواصل الاجتماعي ويوتيوب وفي مساحات التعليقات على الأخبار تنشر هناك ما يغذي الفرقة بين المصريين والجزائريين ويزيد الأمور اشتعالا.
ويشمل التهديد هجمات «رمزية» ليس هدفها الأساسي والوحيد إحداث خسائر مادية بل تقويض الغرائز الإنسانية الأساسية للبقاء وإيجاد جو عام من الخوف الدائم.

 و يجيء غياب اليقين لإضعاف الثقة في المستقبل بنشر إشاعات عن سوء الأوضاع الاقتصادية و أنه لا أمل في تحسنها بهدف تقويض النشاط الاقتصادي. والمهم أن المحارب الذي يمكنه القيام بذلك ليس ذلك الجندي النظامي بل محارب مؤقت مدرب على المواجهات غير المباشرة و دس الأخبار.

حروب الجيل الرابع تنقل ميدان المعركة من البر والبحر والجو إلى عقل الخصم ومجتمعه بأفكاره وثقافته، و إلى قلوب الحلفاء بما يضمن مساندتهم، وفي أي مكان يمكن إضعاف الخصم فيه، وهو «فضاء المعركة». وفي هذا الفضاء تدور الحرب في «بيئة معلوماتية» وليس في ميدان المعركة التقليدي. ففي هذه البيئة تصبح الثقافة ميداناً أساسياً من ميادين المعركة يحل فيه التجسس الثقافي محل التجسس العسكري (أنظر مقالنا السابق عن الفيسبوك و الهندسة الإجتماعية).

وفي هذه البيئة المعلوماتية التي أصبحت الميدان الأساسي للحرب يتم استغلال القدرات العسكرية للإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي كأحد أعمدة «استراتيجية الاتصال» والتمكين المعلوماتي و المسخ الثقافي لأكبر عدد ممكن من المواطنين في دولة «العدو» وزيادة قدرة المجتمع الإفتراضي على التأثير على مجريات الأمور، و إيجاد شبكات وأنماط تنظيمية وجماعات جديدة وبسرعة لزيادة قدرتها على البقاء و التأثير.

وفي ضوء كل هذه الحقائق، لم يعد في مقدور الدول والمجتمعات والأفراد البقاء بعيداً عن وسائل التواصل الاجتماعي ومظلتها العنكبوتية الأوسع ولكنها باتت مطالبة بأيجاد بدائل و مضادات للتكنوبولي (أي احتكار التكنولوجيا) حيث تصبح «عبادة التكنولوجيا» هي الثقافة البديلة وتكون كل أشكال الحياة الثقافية التقليدية تحت رحمة المسيطر عليها مما يتيح نجاح تنفيذ آليات «حروب الجيل الرابع» التي تمثل تحديا خطيرا على الدول والمجتمعات ليس مع الداخل فقط ولكن مع الخارج بشكل أساسي.

عن المدون Algeria Gate

بوابة الجزائر موقع تثقيفي يُعنى بالشأن الجزائري خصوصا دون الحصر و يرحب بمشاركة القرَّاء.
»
السابق
رسالة أقدم
«
التالي
رسالة أحدث

ليست هناك تعليقات :

ترك الرد