» » الجيش الإنكشاري و وضعه بالجزائر - الأصول التاریخیة

الجيش الإنكشاري و وضعه بالجزائر

القسم الأول  - الأصول التاریخیة للجيش الإنكشاري


نشأ الأتراك العثمانيون على البداوة والترحال إلى أن اعتنقوا الإسلام فتحمسوا له بقوة، وحديث العهد بالشيء شديد التمسك به والدفاع عنه، فما أن أعلنوا عن إنشاء دولتهم بالأناضول سنة 1299 م حتى رفعوا راية الجهاد ضد الدولة البيزنطية التي سقطت على أيدي سلاطينهم، سنة 1453 م، وتعود قوة هذه الدولة الفتية التي أصبحت، في زمن قياسي، إمبراطورية ضمت ثلاث قارات، إلى عدة عوامل أهمها:

  1. الحماس الديني، إذ اعتبر السلاطين العثمانيون أنفسهم حماة للإسلام وحملة لمشعله في زمن خاب فيه بريقه.
  2. الصفة العسكرية للسلاطين العثمانيين الذين قادوا الجيوش فكانوا قدوة لجنودهم في الشجاعة والصبر على المشاق على غرار قادة القبائل البدوية التي انحدروا منها.
  3. إنشاءهم لأول جيش نظامي في العالم وهو الجيش الذي عرف بالجيش الإنكشاري الذي كان عماد الدولة العثمانية وركيزتها الأولى في جميع فتوحاتها، ثم أداة حكمها في مختلف ولاياتها.


الإنكشارية نظام عسكري عثماني:


كلمة "إنكشارية" هي جمع لكلمة "إنكشاري"، وهي عبارة تركية تتكون من كلمتين:  "يني" وتعني الجديد و"جيرى" ومعناها النظام، أي النظام الجديد "يني جيري" Yeni çeri وهو المصطلح الذي أطلق على نظام الجند الجديد الذي أحدثه "السلطان أورخان"، ثاني سلاطين آل عثمان، 1326-1362 م، وكان وذلك بتوجيه من أخيه الأكبر، ووزيره الأول (الصدر الأعظم)، "علاء الدين" وقاضي العسكر " قرة خليل جندرلي"، الذي نصح السلطان العثماني بتكوين جيش نظامي اعتمادا على خمس غنائم الدولة من فتوحاتها بالبلاد الأوربية، لأن في ذلك ضمان لاستمرار قوة الدولة العثمانية وتوسعاتها، بعد أن اتضح عدم قدرة الفرسان على ضمان ذلك لقلة عددهم وعدم تفرغهم كليا للعمل العسكري، خاصة وأن الدولة كانت في توسع سريع.

تكونت فرق النظام العسكري الجديد بفضل عملية "الدفشرمة" أو "الدوشرمة"Devsirme، ومعناها اللفظي "يجمع أو يقطف" و هي عملية جمع الصبية المسيحيين وتربيتهم تربية عسكرية إسلامية بعيدا عن الأهل والوطن مما يجعلهم، عند الالتحاق بالعمل العسكري (الجهاد)، لا يعرفون أبا لهم غير السلطان ولا حرفة لهم غير الجهاد في سبيل الله، ويلتحق هؤلاء الصبية بالمدارس العسكرية في سن مبكرة، بين 10 و 15 سنة وأحيانا أقل من ذلك، مما يجعلهم سريعي الذوبان في النهج الإسلامي ، وكانوا يدربون في البداية على مختلف الأعمال المدنية وعلى رأسها البستنة، ولا يبدأ تدريبهم على الأعمال العسكرية إلا في سن 12 ويطلق عليهم اسم "عجمي أوغلان"، أي الصبية الأجانب.

وكانت عملية "الدفشرمة" تتم كل خمس سنوات ثم تقلصت الفترة إلى ثلاث سنوات ثم إلى سنتين، ثم أصبحت تتم كل سنة، ويجمع الصبية من مختلف المناطق المسيحية الخاضعة للدولة العثمانية وخاصة أوروبا الشرقية، مثل اليونان، مقدونيا، ألبانيا، صربيا، بلغاريا، البسنة والهرسك وأرمينيا، وكان التجنيد في البداية يشمل الأسرى الذين اعتنقوا الإسلام ومن العبيد وأبناء الشهداء من الأتراك والأطفال المشردين واليتامى من الأراضي المفتوحة ولقلة أعداد هؤلاء وحاجة الدولة للمزيد من الجند اتجه الحكام العثمانيون بقوة إلى عملية "الدفشرمة".

تخرجت أول دفعة من النظام الإنكشاري، حوالي سنة 736 ه ( 1335 م)، ولمباركتها عرضت على " الشيخ بقطاش " أو"حاجي بقطاش"، "مؤسس طريقة الدراويش البكطاشية"، الذي باركها بوضع يده على رأس الجندي داعيا للجيش الجديد بالنصر المبين، وتبركا به أمر السلطان بإلباس الإنكشاري قلنسوة من الصوف الأبيض تتدلى من وراءه رمزا لكمّ الشيخ حين تدلى على رأس الجندي عند مباركته، وهذا الشيخ هو الذي أطلق اسم "يني جيري"على الجيش الجديد، وقد حورت العبارة أثناء تداولها في الولايات العربية التابعة للدولة العثمانية إلى " إنكشاري".

وتبركا بهذا الشيخ، بنيت أول ثكنة للإنكشارية قرب ضريح الشيخ بقطاش، ومنذ القرن 16 م أصبح ارتباط هذه الفرق بالطريقة البقطاشية رسميا، حتى أنه كان يقيم في ثكناتهم ثمانية من الطرقيين للقيام بالصلوات الخمس بالمجندين، كما كانوا يسيرون في الاحتفالات الرسمية أمام آغا الإنكشارية يرددون الأدعية.

وإذا كان السلطان "أورخان" هو مؤسس فرقة الإنكشارية فإن ابنه وخليفته، السلطان "مراد الأول" ( 1362 م- 1389 م)، هو صانع قوانينها وتنظيماتها، وهو ما عبر عنه صاحب "بشائر أهل الإيمان..." بقوله: "وأول وقت الربيع جمع (مراد الأول) عساكر ورَتب قوانين من جملتها رتب قاضي عسكر ولم يكن من قبل..."، ويضم قانون السلطان مراد ،الذي ضبط سلوك أفراد هذه الفرق مما جعلها، ولفترة طويلة، عماد الدولة العثمانية، 14 مادة:

  1. الطاعة التامة لقادة الجيش.
  2. وحدة الصف والإقامة.
  3. البعد عن البذخ وعن كل ما يشين الإنكشاري.
  4. الإرتباط التام بالشريعة الإسلامية والطريقة البقطاشية.
  5. عدم قبول غير المجندين عن طريق "الدفشرمة".
  6. خصوصية الإعدام بالنسبة للإنكشاري.
  7. الترقية حسب الأقدمية.
  8. لا يعاقب الإنكشاري إلا من طرف قائده (الآغا).
  9. يحال المعاق على التقاعد.
  10. يجب على الإنكشاري أن يحلق ذقنه لأن اللحية من حق الأحرار فقط.
  11. منع الزواج على الإنكشاري.
  12. لا يحق للإنكشاري الابتعاد عن الثكنة.
  13. لا يجوز للإنكشاري احتراف أي مهنة.
  14. يمضي الإنكشاري أوقاته في احتراف التدريب على فنون القتال.

وقد تم تنظيم المجندين في ثلاث مجموعات:


مجموعة تشغل في القصور السلطانية وتسمى ب " القابي قول" أي عبيد السلطان، ويختارون عادة من بين الأجمل والأحسن قامة للخدمة في القصور السلطانية بعاصمة الدولة و يكونون في مدارس خاصة وهي أكثر الفرق ولاء للسلطان .

مجموعة تعد لشغل المناصب الإدارية وتهيء لهذا الغرض.

فرقة المشاة، وهي الأكبرعددا، وتضم معظم المجندين للخدمة العسكرية، وقد أطلق عليها اسم "إنجشايرية" أو "الينجيرية"، وتقسم، حسب مخطوط "بشائر أهل الإيمان..." إلى [أربعة (كذا) فرق وهي الجماعة والبلوك والسيبان وعجمي أوغلان]

وكانت فرقة الإنكشارية هي أهم الفرق العسكرية، والنواة الأساسية لقوة الدولة العثمانية، بل أنها تمثل الجيش العثماني بصفة عامة.

خصوصية الجيش الإنكشاري:


لم تكن الإنكشارية مجرد نظام عسكري حسن التسلح والتنظيم، بل تميز عن بقية جيوش العالم بثلاث مميزات أساسية وغير عادية:

1- أنه الجيش الوحيد في العالم المكون أساسا من عناصر أجنبية ، فبينما كانت جميع الدول تشترط خلو جيوشها من العناصر الأجنبية، باستثناء المرتزقة، لتضمن ولاءها وإخلاصها للدولة ، اشترط العثمانيون خلو جيشهم من العناصر المحلية، حتى يضمنوا انضباطه وفعاليته.
2- أن مهمة الجيش الإنكشاري لم تكن تقتصر على العمل العسكري، بل تتعداه إلى المهام الإدارية والسياسية، وهي المهام التي كان يتطلع إليها المجندون ويعقدون عليها آمالا كبيرة لتحقيق المجد والثروة، حتى أن الأسر المسيحية كانت تدفع بأبنائها للانخراط في الجيش العثماني طمعا في وصولهم إلى أعلى المراتب في الدولة، منها الصدارة العظمى (الوزارة الأولى)، وهو ما تحقق لهم فعلا، إذ وصل العديد منهم إلى الصدارة العظمى بعد أدائهم المهام العسكرية وانتقالهم إلى العمل السياسي، ففي الفترة ما بين 1453 م و 1623 م تولى الصدارة العظمى في الدولة العثمانية 49 وزيرا لا يوجد بينهم سوى خمسة أتراك والباقي من ذوي الأصول الأوروبية المسيحية الذين ترقوا في صفوف الإنكشارية.
3- أن تنظيمه كان تنظيما اجتماعيا أسريا لا مثيل له في العالم، فقد شكل الجيش الإنكشاري أسرة واحدة متماسكة، تعيش حياة اجتماعية لا تختلف عن حياة الأسر ذات الروابط الدموية، أو هذا ما رمى إليه مؤسسوه، وهو ما دلت عليه التسميات التي أطلقت على أجهزته العسكرية و المستمدة من أدوات المطبخ منها:

أ- القزانkazan وهو " القدر الكبير" الذي كان رمزا مقدسا "قزان شريف" يعبر عن التماسك الأسري الذي كان يجمع أفراد الإنكشارية، إذ أن الطعام عادة هو الرابط الأساس الذي يجمع أفراد الأسرة الواحدة، وهو دعامة أساسية لولاء الفرد للجماعة، حتى أن الطعام بقي إلى اليوم شعارا للتماسك والوئام بين الأفراد، وهو ما عبرت عنه الأمثال الشعبية كقولنا في الجزائر، "كليت ملحك"، أي أن الملح ويعني به الطعام يجمع بيننا، وفي مصر، "بيننا عيش وملح"، أي أن الأكل الجماعي يمنع الخيانة ويفرض وفاء الفرد للجماعة، وهو ما هدفت إليه الدولة العثمانية من تكفلها بإطعام أفراد الإنكشارية من قدر واحد.  ولقداسة هذا الرمز الأسري كان قدر فرق الإنكشارية يحمل في الحروب، وعلى كل فرقة أن تحافظ على "قازانها"، أثناء المعركة، وإذا حصل وأن فقدت فرقة قدرها فإنها تتعرض لعقوبات معنوية كحرمانها من الخروج للاحتفال بالنصر، إذ أن ضياع القدر في الحرب يعد عارا وشؤما عليهم، فكانت المحافظة على القدر في نفس أهمية المحافظة على السنجق (العلم)، ومن عادات الإنكشارية حمل القدر والطواف به في الشوارع أثناء الاحتفالات الرسمية، وكان خروج القدر فرجة للمارة ومفخرة لأفراد الإنكشارية، أما الفرقة التي ضاع قدرها في المعركة فتحرم من الخروج في ذلك الاستعراض.
ب- الأوجاقUCAK (أوتشاق): ويعني لغويا " الموقد "، وهو محور تجمع الأسرة ومصدر دفئها، كما يعني المنزل أو الأسرة، ويطلق على الوحدات العسكرية، الكبيرة والصغيرة، وفي كثير من الأحيان يطلق على الإيالة العثمانية، ومعنى ذلك أن الإنكشارية
أسرة موحدة يجمعها "كانون واحد".
ج- " الصفرة ": وتعني "المائدة" التي يجتمع حولها الإنكشارية للأكل أو مناقشة أمور الدولة، وتطلق أيضا على الكتيبة التي تتكون عادة من 16 إلى 21 مجند.
د- "الأودة" أو "الأوضة": وتعني الغرفة، أو بالتحديد، غرفة النوم، وتدل على المأوى الذي يضم عادة أفراد الأسرة ، وكان لكل "أودة" قدرها (قازانها) الخاص وجب المحافظة عليه.

هذا بالإضافة إلى شعارات أخرى مثل الملعقة الخشبية التي كانت توضع على خيمة رئيس الإنكشارية (الآغا) وترمز إلى السلطة الأبوية، ومن عادة الإنكشارية حمل ملاعق ضخمة إلى جانب القدر الكبير والخروج بها من الثكنات متجهين إلى المواقع التي يعسكرون بها ويطوفون بها في المدينة، أثناء الاحتفالات الكبرى، وكان الناس يصطفون في الشوارع لمشاهدة ذلك الموكب العظيم لأدوات المطبخ.  هذا زيادة على الألقاب ذات الدلالة الأسرية، منها: "الشوربجي" أو "جورباجي" وهي عبارة تتكون من كلمة تركية فارسية الأصل وهي "شور" وتعني لذيذ و "با" بمعنى الطعام و"الشوب" يعني المرق أما المعنى العسكري فهو قائد الفرقة "الأورطة" ، وهو الذي يتولى توزيع الشربة أو الحساء على أفراد الإنكشارية، ويخضع لقيادته عدد كبير من ذوي الرتب العسكرية أمثال: الأودباشي ووكيل الحرج والبيرق دار (حامل اللواء) والآتشي باشي (كبير الطهاة)، وهو المكلف بحراسة السجن، وكان شعاره سكين كبيرة كان يحملها حيثما ذهب، ويتمتع الشوربجي بمنزلة محترمة جدا بين أفراد الإنكشارية والموظفين السامين في الدولة، وللشربة نفسها قداسة خاصة، حيث أنها تقدم للإكشارية أثناء توزيع الأجور وإذا رفض هؤلاء تناولها فذلك يعني عدم رضاهم بقيمة الأجر الذي منح لهم، والتهديد بالثورة.

وكذلك لقب "الداي " الذي يعني "الخال "، وهو فرد من أفراد الأسرة الموسعة، وكذا لقب "الآغا"، الذي يعني الأخ الأكبر.

ويعيد بعض الباحثين سبب تطبيق الدولة العثمانية لهذا النظام الأسري على أفراد جيشها إلى حياة الترحال التي كانت تعيشها القبائل التركية، التي تنحدر منها الدولة العثمانية، في أواسط آسيا.  ولعل هذا التلاحم الأسري هو الذي جعل من الإنكشارية قوة لا مثيل لها في التاريخ من حيث القوة والتماسك والتسلح والانضباط.

مهام الإنكشارية :


إذا كانت مهام الجيوش في العالم تقتصر على الأعمال العسكرية والحروب فإن الإنكشاري متعدد المهام، فهو جندي أيام الحرب، وجابي للضرائب من الريف أيام السلم، وفي نهاية حياته العملية يتحول الإنكشاري، في أغلب الأحيان، إلى الأعمال الإدارية، التي قد يصل من خلالها إلى أعلى المناصب السياسية في الدولة، كالصدارة العظمى (الوزارة الأولى) أو الولاية على رأس إحدى الولايات العثمانية أو حاكما (بايا) على إحدى مقاطعاتها، وغير ذلك من الوظائف الإدارية السامية التي تدر على صاحبها أموالا طائلة وجاها كبيرا.

استمر العمل بنظام "الدفشرمة" لتنمية الجيش العثماني، حتى سنة 1676 م، تاريخ إلغائه في عهد السلطان "محمد الرابع"( 1641- 1687 م)، ليحل محله نظام التجنيد عن طريق التطوع، والذي يخضع عادة للكثير من الإغراءات المادية والأدبية، ففي سنة 1568 م سمح لأبناء الإنكشارية المتقاعدين، بالدخول في سلك الإنكشارية، وفي 1594 م، سمح للعناصر المسلمة بالدخول في النظام ولا يشترط في ذلك سوى اللياقة البدنية والتطوع، وبذلك بدأ نظام "الدفشرمة" يفقد وزنه إلى أن توقف العمل به نهائيا.

وإذا كانت جيوش العالم تضعف ويختل نظامها بدخول عناصر أجنبية ضمن صفوفها فإن الضعف بدأ يدب في أوصال الجيش الإنكشاري بدخول العناصر المحلية إلى هذه المؤسسة العسكرية.

والواقع أن الإنكشارية بدأت تعلن عن عصيانها وتمرداتها منذ وفاة السلطان "محمد الفاتح" ( 1451-1481م)، حيث قاموا ، ولأول مرة، بقتل الصدر الأعظم "محمد قرمان باشا"، بتهمة إخفائه نبأ وفاة السلطان و تنصيب ابنه الأصغر الأمير "جم" على رأس الدولة، وعمل الإنكشارية على تنصيب السلطان "بايزيد الثاني" ،الذي زاد في أعطياتهم فبلغت 2000 أقجة لكل إنكشاري، ومنذ ذلك التاريخ بدأ أفراد الإنكشارية يفرضون سلطانهم على الدولة فأرهبوا الحكام وتدخلوا في تولية وعزل الوزراء والولاة، بل تجاوزوا ذلك إلى العمل على الاستيلاء على الحكم في عدد من الإيالات العثمانية، منها الجزائر سنة 1659 م ، تاريخ استيلاء الآغواة (قادة الإنكشارية) على الحكم.

هكذا كان الجيش العثماني، حتى القرن 17 م، أكثر الجيوش تنظيما وانضباطا في العالم وعاد إليه الفضل في جميع الفتوحات التي قام بها السلاطين العثمانيون، قبل أن يدب فيه الضعف، بعد فتح أبواب الانخراط فيه من مختلف الأراضي العثمانية، فزاد عددهم وقل مردودهم، فقد تضاعف عدد الإنكشارية من 12.000 مجند في عهد محمد الفاتح ( 1451-1481م) إلى 200.000 مجند في عهد السلطان محمد الرابع، (1648-1687م)، كان معظمهم لا ينتمي إلى هذه المؤسسة العسكرية إلا اسميا، حيث تحول عدد كبير منهم إلى الحياة المدنية فمارسوا مختلف الأنشطة خارج نطاق العمل العسكري، وهو الأمر الذي جعل التربية النموذجية للإنكشاري تتبخر، وتحول الإنكشاري إلى مجرد موظف حكومي لا يهمه من منصبه غير الراتب الشهري (العلوفات)، وكثيرا ما كان الإنكشاري يبيع صك أجره الشهري للمرابين اليهود مقابل مبالغ مالية أقل من راتبه، وقد زاد من فساد النظام الإنكشاري انتشار البطالة في صفوف الإنكشارية إثر توقف الفتوحات في أوربا وتفشي ظاهرة تعاطي الخمر بين أفراده، بعد وفاة السلطان سليمان القانوني وتولي ابنه سليم الثاني الحكم ( 1566 م)، فبدأ الإنكشارية يتخلون عن تقاليدهم الحربية وانضباطهم، وتفرغوا لجمع الأموال وشراء الألقاب والتدخل في الشؤون السياسية والإدارية للدولة، وبالتالي فقدوا قدرتهم الحربية وصاروا أداة تخريب وانقلابات بعد أن كانوا أساس بناء الدولة العثمانية وتوسعاتها، ولما تفاقم خطر الإنكشارية بدأ التفكير في التخلص من هذا الجهاز "البّناء الهدام"، وهو ما حصل فعلا، سنة 1826 م، على يد السلطان "محمود الثاني" (1808-1839م)، الذي تمكن من تصفية الجيش الإنكشاري في ما سمي بالواقعة الخيرية، التي قتل بها، حسب ما جاء في مخطوط "بشائر أهل الإيمان..." آلاف إنكشاري وفر الباقي إلى قشلهم (ثكناتهم) وتحصنوا فيها، وبعد فتوى حصل عليها السلطان محمود من العلماء تمت ملاحقة وقتل جميع الإنكشارية بالآستانة ونفي جميع من كان يميل إليها وألحق بهم دراويش البكطاشية، وعوضهم السلطان بنظام جديد يحاكي فيه النظام الأوروبي الحديث، وقد رفض هذا التغيير من طرف الإنكشارية بالولايات العثمانية وخاصة الأوربية، حيث قامت ثورات تطالب بالإبقاء على النظام الإنكشاري معتبرين التخلي عنه تخلي عن المبادئ الإسلامية.

عن المدون Algeria Gate

بوابة الجزائر موقع تثقيفي يُعنى بالشأن الجزائري خصوصا دون الحصر و يرحب بمشاركة القرَّاء.
»
السابق
رسالة أقدم
«
التالي
رسالة أحدث

1 comments :

  1. كل المقال تعريف بالانكارشية أين وضعه في الجزائر ؟

    ردحذف