» » الثورة الجزائریة في الشعر العراقي

الثورة الجزائریة في الشعر العراقي
 
 
إنّ الحقبة التأریخیة التي جرت فیها أحداث الثورة الجزائریة كانت أواسط الخمسینات و بداية الستينات، حیث كان الغلیان في أوجه على الساحة العربیة، وقد تمكن خلالها دعاة التجدید في الشعر العربي، ودعاة الشعر الحر الذین خاضوا المعركة منذ أواخر الأربعینات من شق طریقهم وایجاد نمط جدید من القصیدة الشعریة، وكذلك معركة الالتزام في الأدب والشعر، مرت من الحملات الكلامیة إلى الممارسة والتطبیق، ففي مثل هذا الجو نظمت القصائد العراقیة عن الثورة الجزائریة، فجاءت زاخرة بالالتزام السیاسي.
 
وقد بلغت عدد القصائد التي ضمتها هذه الموسوعة "الثورة الجزائریة في الشعر العراقي" 255 قصیدة (أنظر كتاب "الثورة الجزائریة في الشعر العراقي" للدكتور عثمان سعدي)، وقد جاءت هذه القصائد غنیة بتنوع أشكالها البنیویة، فمنها مائة وسبع وسبعون قصیدة عمودیة، واثنتان وستون قصیدة تدخل في إطار الشعر الحر، وسبع موشحات ما بین مخمسات ورباعیات، وقصیدة نثریة واحدة، ومنها أیضاً ثلاث ملاحم إحداها عمودیة وهي قصیدة "معجزة العروبة" لمصطفى نعمان البدري التي تقع في ثلاثمائة بیت تقریبا، واثنتان من الشعر الحر، وهما "الشمس تشرق على المغرب" لكاظم جواد التي بلغ عدد أسطرها مائة وأربعین سطرًا، و"إلى جمیلة" لبدر شاكر السیاب التي بلغ عدد أسطرها مائة وأربعة وأربعین سطرا.
 
والقصائد العمودیة التي أخذت حیزًا كبیرًا في الموسوعة جاءت متنوعة أیضاً، منها العمودي ذو القافیة الواحدة، كقصائد محمد مهدي الجواهري، وحافظ جمیل، وعبد الكریم الدجیلي، ومحمد بهجة الأثري، وغیرها من القصائد، ومنها القصائد ذات القوافي المتنوعة ك"نداء الأم" لآمال الزهاوي و"یافتاتي" لإسماعیل القاضي، و"تحیا الجزائر" لأمیرة نور الدین"، و"جمیلة" لحاتم غنیم، و"فتى من الجزائر" لحسن البیاتي، وغیرهم.
 
كما ضمت هذه الموسوعة شعراء نظموا أكثر من قصیدة في الثورة الجزائریة بالنمط العمودي فقط، كالدكتور أحمد حسن الرحیم، وأحمد الدجیلي، وٕاسماعیل القاضي، وبرهان الدین العبوشي، وجلال الحنفي، وحارث طه الراوي، وحمید فرج الله، وخالد الشواف، وخضر عباس الصالحي وغیرهم من الشعراء الذین قالوا أكثر من قصیدة عمودیة فقط.  كما یوجد شعراء ضمتهم هذه الموسوعة قالوا أكثر من قصیدة في الثورة الجزائریة بنمط الشعر الحر فقط، كبدر شاكر السیاب، وعبد الوهاب البیاتي، وكاظم جواد، وسعدي یوسف، وشاذل طاقة.
 
أمّا الشعراء الذین لهم في الموسوعة أكثر من قصیدة، وجاء شعرهم متنوعاً بین النمطین العمودي والحر، فهم: حبیب حسین الحسني، الذي له ثلاث قصائد عمودیة، والثانیة موشح والثالثة من الشعر الحر، وحمید حبیب الفؤادي الذي له عشر قصائد، أربع منها على نمط الشعر الحر، وحسین بحر العلوم الذي له قصیدتان أحداهما من الشعر الحر، وحیاة النهر التي لها ست قصائد منها قصیدتان من الشعر الحر و راضي مهدي السعید الذي له قصیدتان من الشعر الحر، وعلي الحلي الذي له بهذه الموسوعة ست عشرة قصیدة أربع منها تنتمي إلى الشعر الحر، ومحمد جمیل شلش الذي له ثلاث قصائد إحداهما من الشعرالحر، وكاظم محمد حسین الذي له ثماني عشرة قصیدة، تسع منها عمودیة، وتسع من الشعر الحر.
 
یظهر لنا ممّا تقدم ذكره أنّ القصائد التي قیلت في الثورة الج ا زئریة قد تنوعت أشكالها، واتخذ العشرات منها نمط الشعر الحر أسلوباً وٕاطارًا فنیاً، جاء معبرًا أصدق تعبیر وأوفاه عن نقطة التحول في مسار الحركة الشعریة العربیة في هذا القرن وفي العصر الحدیث.
 

موضوعات قصائد الثورة الجزائریة في الشعر العراقي

 
یَصعُب حصر سائر الموضوعات التي تطرق إلیها شعراء الثورة الجزائریة بالعراق؛ لأنّها موضوعات كثیرة ومتعددة ومتنوعة ومتشعبة، فعدد هذه القصائد یربو على مائتین وأربعین قصیدة، منها القصیدة الموغلة في التقلیدیة والعمودیة، ومنها القصیدة العمودیة المتجددة أو الحدیثة، ومنها القصیدة المتحررة من جمیع قیود القافیة وقوالب شطري البیت، وشعر كهذا غني بموضوعاته؛ لأنّه تناول أحداث الثورة الجزائریة وما أكثرها و لكن نكتفي بالموضوعات التي تدخل في إطار الالتزام السیاسي و النضالي:
 

أولا : قوة الثورة وصلابتها :

رسم الشاعر العراقي الثورة الجزائریة بألوان من برق ورعد فجاءت كلماته كجبال الأوراس وجرجرة، معبرًا عن إرادة الثائر الجزائري وعن تصمیم الشعب الجزائري وٕاصراره على النصر، كما عبر عن الأهوال التي تحتملها جماهیره من أجل تحقیق هدف الثورة، وقد كان الشاعر العراقي یغني للثورة الجزائریة ولقوة أحداثها وصلابة أبنائها، فجاء شعره صادقا في تعبیره عمیقاً في معانیه، جزلاً في تراكیبه متنوعا في صوره.
 
فالشاعر أحمد الدجیلي یقول: إنّ الثورة الكبرى فاجأت المستعمر بالجزائر، فانتشرت بین جماهیر شعبها و تغلغلت في قلب كلّ رجل وامرأة، وسرت في نفوس الجزائریین وفي دمائهم، وانطلقت نیرانها تقطر إصرارًا في إرادة الجزائریین و تحمل الفناء لأعدائهم، فقال:
فَإذا بالثّورة الكُبرَى وَقَد  **  عَمَّتِ الشَّعبَ رجَالاً ونِسَاءا
ومَشَتْ فِي كُلِّ روحٍ ودمٍ ** لهبها یَقطُرُ عَزماً وفَنَاءا
 
ویتغنى جلال الحنفي بأمجاد سنوات الثورة السبع التي یعدها تساوي الزمان وتساوي الناس كلهم، كما أنّها تساوي الدهر جمیعه والتاریخ وأجیال البشریة، فالأبطال هم الجزائریون؛ لأنّهم بالسلاح حولوا الأقوال إلى أفعالٍ فاعلةٍ، فیقول :
 
سَبعٌ یعادلن الزَّمَانَ وأهْلَهُ  **  والدَّهَر والتأریخَ والأجیَالا
یا قومُ مَا الأبْطَال إلاّ أنتُمُ  ** لَو أنَّ شَعبَاً كافَ الأبطَالا
إنَّ السیوفُ إذا شهرن فإنَّمَا  **  یَجعَلْنَ أقوالَ الرِّجالِ فِعَالا
 
وعبد الوهاب البیاتي الشاعر المجدد، یصور قوة الثورة بأنّها عملاقة، وبأنّها فكرة مبدعة تكتسح العملاء الذین یسمیهم بالمسوخ والطبول والجیف، فالثورة تفلح الحقول من خلال أهوال العواصف، وتصنع فوق الأنقاض كل ماهو جمیل ونبیل، فالثورة إذا عند البیاتي فكرة تبني وتفلح؛ لأنّه یستقرئ الأحداث ویستطلع المستقبل، مستقبل الجزائر سیكون بناءا جمیلاً وسبكاً رائعاً لكل ماهدم، یقول :
 
الثَّورةُ العِملاقه
الفِكرةُ الخلاقه
تَجرِفُ في طریقها المُسَوخَ والطُبَولَ
والجیفِ المُعَطّرة
والنصبَ الشَّائعةِ المُبَعْثَره
تُحْدثُ في إعْصَارِها الحُقُولَ
تعیدُ صنعَ الرائع النبیلِ
 

ثانیا : وصف بطولات الثوار :

 
تغنى شعراء الثورة الجزائریة بالعراق ببطولات الجزائر، وبطولات أبنائها المجاهدین، ولا تكاد تخلو قصیدة من الإشادة بهذه البطولات، والتغني بأمجادها والترنم بمآثرها.
 
فهذا الشاعر أحمد حسن الرحیم في "سیف الجزائر" یكنى الجزائر ب"أم البطولات" ویوجه لسیفها الذي لا یعرف الوهن والضعف بسبب عمله المتواصل في رقاب الأعداء ألف مرحباً، فالجزائر رفعت جبین كل عربي وجعلت وجهه تعلوه البهجة والسرور، كما جعلته ینسى آلامه وحزنه، یقول :
 
فیا أمَّ البطولةُ ألفُ مَرحَى  **  لِسَیفٍ لَیسَ تضعفه الفُلُولُ
رَفَعتْ جَبِینَ مَوتُودٌ كئیبُ  **  أَضرَّ بِهِ التمزَّقُ والثُكُولُ
فبان بوجهِهِ ألقٌ بَهي  **  وفَارقَه التَّوجعُ والنُكولُ
 
وهذا حبیب حسین الحسني، یخاطب الجزائر في قصیدته (الجزائر الجریحة) فیقول: فیك عرفنا نحن العرب ملاحم البطولة وآیات العزة والسمو، فمن جروحك یتضرع المجد والنور :
 
لَنَا فیكِ المَلاِحمُ والاباءُ  **  وفِیكِ لَنَا البُطُولَةُ والسَّناءُ
جزائُرنَا الجَرِیحَةِ أيُّ نَصرِ  **  سَیَعبِقُ فِیهِ مَجدٌ أو ضِیاءُ
 

ثالثا : أمجاد جیش التحریر ومعاركه :

 
كان جیش التحریر الوطني الجزائري، محور قصائد شعراء الثورة الجزائریة العراقيين، إذ لم یكتفوا بتمجید بطولات المعارك فقط، بل أشادوا بمعاناة جنود جیش التحریر، وكیف صمدوا أمام برد لیالي الشتاء، ولهیب أیام الصیف، وكیف تحملوا الجوع والعري والحرمان، والبعد عن الأبناء والأهل أشهرًا بل سنوات في سبیل قهر المستعمر وتحریر البلاد.
 
وقد لقب الشعراء العراقیون جیش التحریر بعدة ألقاب، فهو "الجیش الصعق، وجیش النصر، وهو أسد تزول الجبال ولا یزول صموده، وهو الراقص على أنغام الحرب، یحارب بعقیدة قویة وٕایمان صلب، وبأنّه أقوى من الجبال، وبأنّ أيَّ جیش على وجه الأرض یعجز أنْ ینازله أو ینال من صموده.
 
كما وصفوا جنود جیش التحریر بأنّهم أصدقاء اللیل؛ لأنّهم ینفذون عملیاتهم تحت جناحه، وكل جندي یقول: إذا نحن لم نفترق أو نحترق فكیف یضيء طریق الأمل للأجیال؟
 
فالشاعر حمید فرج الله یقول بأنّ جیش التحریر أعلنها حرباً على فرنسا وفي صفوفه شبان وشیوخ، رفضوا الخنوع والذل، واختاروا طریق موتة الأحرار، فهو یزأر في الجبال صارخا : (جزائر الخلد یا أنشودة العرب) :

وجیشُ تحریرهِ شَعواء أعْلَنَها  **  عَلَى فَرَنْسةَ أشیاخٌ وشُبَّانُ
لا یَسْتَكینُ على ذل ومَسْكَنَة  **  تَراَهُ في موتة الأحْراَرِ یَزْدَانُ
یَظَلُّ یزأرُ كالآسَادِ مُرتَعِدَا  **  جزائرُ الخُلدِ یا أُنْشودَة العربِ
 
 
وبرهان الدین العبوشي في قصیدته "انجدوا الجزائر" یصف المجاهدین جنود جیش التحریر، فیقول: "بأنّهم یسیرون للموت كما سار أجدادهم إلیها، ومنهم طارق بن زیاد، ولم یبالوا بالدبابة وبالنیران التي تنطلق منها، فتراهم یتواثبون علیها تواثب الموت، كثر شهداؤهم، وتدفقت دماؤهم غزیرة غزارة الأنهر التي شرفت بها الأرض، فیقول :

یَمشُونَ للموتِ الزُّؤام كَمَا مَشَى  **  أجْدَادُهم والطَّارق المِغَوارُ
(والتنك) یَحْصَدُهُم وَهُم مثل الرَّدى  **  یَتَواثَبُون عَلیهِ إذ یَنْهَارُ
والأرضُ قَد شرفَتْ بِفیضِ دِمائِهمِ  **  جَادُوا بِها فكأنّهَا أنهارُ
وحارث طه الراوي، یربط النصر بالمجد ویجعلهما أمرین متلازمین، فیقول :
أومأ النَّصرُ لَهَا فِي سَاحةٍ  **  عَبَقتْ منَهَا الدِّماءُ العَربیةِ
وَمَشى المَجْدُ إلیها راَكِعةً  **  بِخُشُوعٍ یلثَمُ الأرضَ الندیةِ



رابعا : ثورة الجزائر أمل العروبة و مثل الإنسانیة :

 
تغنى شعراء العراق بأمجاد الثورة الجزائریة التي اعتبروها أمجاداً للأمة العربیة ومآثرها للإنسانیة كلها، فقد اندلعت الثورة الجزائریة بعد هزیمة الأربعینیات التي لحقت بالجیوش العربیة في فلسطین، بسبب ضعف بعض أنظمة الحكم في المشرق العربي، وتواطئ بعضها الآخر مع القوى التي خلقت الكیان الصهیوني ولحق المواطن العربي سواء بالمشرق أو المغرب، نوع من الإذلال وانكسار الجناح.
 
واندلعت الثورة الجزائریة لتعید الثقة إلى كلِّ نفس عربیة، ولتبرهن للعالم كله أنّ الأُمة العربیة لا زالت بحیویتها التاریخیة، وبصلابة عودها في النضال، أُمة تستحق كل ما انجزته في تأریخ البشریة ضد الشر والظلم والظلام، وما ثورة الجزائر سوى تعبیر صادق عن الذات العربیة التواقة إلى الحریة، النزاعة إلى العزة والدفاع عن الكرامة القومیة، وجدت أرضیة مناسبة وقیادة حكیمة في قُطْرٍ عربي، فأتیحت لها فرصة إبراز عطائها المبدع، و نزعتها الثوریة الخلاقة، هكذا استقبل الثائر العربي أحداث تشرین الثاني 1954 م.
 
فبدر شاكر السیاب یعبر عن هذا المعنى في قصیدته "إلى جمیلة" حیث یخاطب الثورة الجزائریة من خلال المناضلة الجزائریة، فیقول لها لولاك ما جادت أغصاننا القاحلة بالثمار، ولَمَا تدفقت قوافینا البدیعة، فنحن (أي: العراقیون والعرب) نعیش في هوة مظلمة، وعن طریقك تسرب لنا الإشعاع الذي یبدد ظلامها، فقال :
 
والله لَولا أنّها یَا فَادیَة
ما أثْمَرت أغْصَانُنُا العَاریَة
أو زَنْبَقتْ أشْعَارُنا القَافِیة
إنَّا هنا.... في هوة راجیة
ما طَافَ لَولا مُقْلَتاك الشعاع
 
ومحمد علي الیعقوبي في قصیدته (أبطالنا في الجزائر)، یقول بأنّ العالم العربي فخور ببطولات أبطال الجزائر، وبأن الدنیا كلها بسائر أُممها، تثني علیكم أیها الجزائریون، وعلى ثورتكم التي انتشر ذكرها كما ینتشر عبیر الورد، وبأن مآثركم سجلت في كتاب الخلود بالدماء، فلقد أصبحت حدیث الشعوب والأمم، وصارت أخباركم تسیطر على ما تبثه الإذاعات، فأرواحنا، نحن العرب حاضرة بینكم في جهادكم، و إن كانت أجسامنا بعیدة عنكم، یقول :
 
فالعَالمُ العَربيّ في  **  أعمَالكُم زاهٍ فَخُورُ
تَتَضوعُ الدُّنیا بذِكركُم  **  كَمَا ضَاعَ العَبیرُ
فَرَطَتْ عَلَى صُحُفِ الخُلُودِ  **  مِنَ الدِّماءِ لَكُم سُطُورُ
أَضْحَت یَدُ السِّتِ الجَها  **  تِ إلى بُطُولَتكُم تَسِیرُ
وَبِكُلٍ آنٍ یَملأ الدُّ  **  نَیا بِنَصْرِكُم البَشَیِرُ
وبِفَوزكُم هَزَّ العَوَا  **  لِمَ في إذَاعَته الأثیرُ
أرواحُنا إنْ غَابت  **  الأجسَام عِندكُم حضورُ

 

خامسا : جمیلة ونضال المرأة الجزائریة :

 
 نالت المناضلة الجزائریة (جمیلة) حیزًا كبیرًا في الشعر العراقي الذي قیل في الثورة الجزائریة، فأكثر من ثلاثین قصیدة حملت عنوان (جمیلة)، وحدیث الشعراء عن جمیلة كان تمجیداً لنضال المرأة الجزائریة، فالنساء الجزائریات (صغن من قطع الحدید، وهن لا یتزین بالجواهر وٕانّما بالشجاعة، ویُضِئنَ للرجال جوانب الطریق المؤدیة للخلود).
 
 وقصیدة "أنا فكرة" للدكتور جواد البدري، التي نظمها وأهداها لجمیلة عام 1958 تعد من أجمل ما قیل في نضال جمیلة، فقد جسد الشاعر الثورة الجزائریة في جمیلة المناضلة، وعد الثورة فكرة ولیست كائناً من لحم ودم، ولهذا فإنّ ها لا تموت بموت الأشخاص، وهي فكرة كامنة في العقول والنفوس وفي دموع الكادحین، منذ أنْ ظهر الإنسان على سطح الأرض، یقول :
 
اقْتلُونُي
أنا فكرَه
في العُقولِ النیِّره
في النُّفُوس الخَیِّره
في دُموعِ الكَادحِین
في قلوبِ الطّیبین
عَبْرَ الآفَ السِّنینِ
مُسْتَقرِة
أنا فِكَره
 
ویستمر الشاعر في التحدث باسم جمیلة التي تعلن للأعداء، اقتلوني فأنا فكره، والفكرة لاتموت، أنا رمز لنضال الشعب من أجل تحقیق سلام یتخلص فیه الإنسان من الحروب والاستغلال معاً، حیث یسود حیاته الحب بین الناس والوئام بین الشعب، فأنا أُضحي من أجل الحق :
 
اقْتَلُوني أنا فِكْره
اسْحَقُوني أنا زَهْرَه
أنا رمزٌ لنضالِ الشِّعبِ مِنْ أجل السلامِ
وَشِعارٌ الودِّ والإخلاصِ، في دنیا الوئامِ
أنا إنْ ضحیتُ بالنّفسِ، وغایاتِ المرامِ
فِلأجل الحقِّ أمْضِي وأضَحَي
بِثباتِي
و عزمي
 
وعبد الغني الجبوري یتحدث عن النساء الجزائریات، فیقول: "بأنّ كلّ امرأة بالجزائر هبت لمصارعة الإستعمار غیر مبالیة بالموت، والمرأة التي عرفت بالدلال والغنج، تحولت بالجزائر إلى ثورة بجهادها وصارت أقوى من الجبال، وهي الجمیلة الرزینة  :
 
حَدثینَا عَن كُلّ حَواءَ خَفَتْ
واسْتَخفَّتْ بالموتِ مَا أَجْملَ المَوت
رَبّةُ الخدْرِ والدَّلالِ اسْتَحَالتْ
فِهَي أَرْسَى مِن الرُّبَى والجِبَالِ
لِقَراَعِ المُسْتَعْمَر المُتَعَالِي
إِذا كَانَ فِي سَبیلِ المَعَالِي
ثَورةً فِي كِفَاحَها وَالنِّزاَلِ
وَهي ذاتُ الحِجَى وذَاتُ الجَمَالِ
 

سادسا : فرنسا وحلفاؤها كما صورها الشعراء العراقیون :

 
لم تُهاجَم فرنسا وحلفاؤها، مثلما هوجمت في الشعر العربي الذي قیل في الثورة الجزائریة، وخاصة بالشعر العراقي، إذ تخللت هذا الهجوم عبارات مشهرة، وأحیاناً نابیة، نعتت بها فرنسا، فإنّ الطابع العام لهذا الشعر یتلخص في معنى واحد هو أنّ فرنسا تخون تاریخها وثورتها وتراثها الإنساني، الذي أورثته إیاها مبادئ الثورة الفرنسیة، وذلك من خلال ما تقوم به من جرائم ضد الشعب الجزائري في حربه التحرریة العادلة، ولا تكاد قصیدة من قصائد هذه المجموعة تخلو من هذا المعنى، معنى خیانة فرنسا لمبادئ ثورتها.
 
ویستعرض الشعراء جرائم الفرنسیین: فهم یقتلون العزل، ویعذبون السجناء، حاولوا قتل اللغة العربیة والقضاء على الإسلام، أقاموا حزام الموت المتمثل في الأسلاك الشائكة المكهربة الملغومة حول الحدود الجزائریة، وفجروا أول قنبلة ذریة فرنسیة في صحرائها".
 
وتعرض الشعراء العراقیون أیضاً للحلف الأطلسي الذي كان یساند فرنسا في حربها الظالمة ضد الشعب الجزائري، فأي سلاح حدیث كانت تخرجه المصانع الأمریكیة أو الأوروبیة، یرسل للحلف الأطلسي، ثم یوجه للجزائر لتجربته على أكواخ الفلاحین العزل، أو ضد جنود جیش التحریر، ویصف الشع ا رء حلیفات فرنسا بعدة أوصاف، مثل: "حلیفاتها على شاكلتها، الحلف الاطلسي دعامة لكل ظالم".
 
فهذا طارق الطاهري یثور غضبا عندما تبلغه جرائم فرنسا بالجزائر، فیوجه لها في قصیدة "دم الشهداء" أقسى النعوت، ولدیغول رئیسها أقسى الألقاب، فیقول :
 
وأینَ لكِ الضَمیرُ أَیَا فَرَنْسَا  **  وَقَد شَبَّتْ حَیاتُك في الجُنَاحِ
وأینَ لكِ الضَمیرُ وَلَو قَلِیلُ  ** وَعَاركِ طَارَ في الأُفُقِ الفَساحِ
وأنتِ صَریعةُ الشَّهوات دَومَا  **  رِجالكِ فوقَ أقِدامِ المِلاحِ
 ودیغولُ السِفِیه غَدَا رَئیسَا  **  لِذَوبان مُخَنَّثَة قَبَاحِ
بِهِم یَسْطُوا عَلَى دُوُلٍ ضِعَافٍ  **  وَیُجَارُ بالسِّلامِ عَلَى انْفِضَاحِ
 

سابعا : فرحة إعلان الجمهوریة وتحقیق الاستقلال :

 
في سنة 1958 أعلنت الجمهوریة الجزائریة وتألفت الحكومة المؤقتة للجمهوریة الجزائریة بالمنفى، واستقبل العدید من الشعراء بالعراق هذا النبأ بالفرحة والابتهاج، فهي حلم، وهي بمثابة شمس أشرقت، وهي عروس هزج الشرق لها، وهي شجرة دماء الشهداء.
 
لكنّ الفرحة الكبرى التي غناها الشعراء العراقیون هي فرحة إعلان الإستقلال عام 1962 ، إنّ الكثیر من الجزائریین والكثیر من العرب كانوا ینظرون إلى استقلال الجزائر على أنّه أمر بعید المنال، بل إنّ مِمّن فجروا الثورة أنفسهم كانوا یتصورون أنّ النضال سیطول وأنّ الإستقلال سوف لن یراه ویتمتع به إلاّ الجیل التالي لجیلهم.
 
ولهذا فأنّ إعلان إستقلال الجزائر كان بمثابة المعجزة، جعلت الكثیرین لا یصدقون آذانهم وهم یستمعون إلى نبأ الإستقلال.
 
فالشاعر محمد جمیل شلش ینشد قصیدة بهذه المناسبة عنوانها "تحیة للجمهوریة الجزائریة" من الشعر الحر، فیقول فیها على لسان المجاهد الجزائري، أنا أغني فجر جمهوریتي، وأغني للسلاح الذي حققها، أغني من أوراس مجد الرجال، من حیث انطلق النضال، وتدفق سبیل الثائرین :
 
وأنا أُغنِي فَجْرَ جَمْهُورِیَّتي الكُبرَى
و أغنَي للسِّلاح سیَصِیح التَأریُخ زَندي
سَیُحِّدثُ الدُّنیا لهیبي، إنّ مَجْدَ الشَّمس مجدي
فَلتَكْتبِ الأجیالُ بَعْدِي
مِنْ هاهُنا مَجْد الرِّجال
مِنْ هاهُنا انْطَلقُ النِّضالُ
وَسالَ سَبِیلُ الثَّائِرین
 
ویختم الشاعر قصیدته بأنْ یعلن أنّ الجزائریین سیقضون على جمیع أسلحة الفناء التي یسلطها علهم العدو، وسینسون الآلام والمحن، وترفرف رایات السلام والرخاء على ربوع بلادهم.
 
وَلَسَوفَ نَطْرحُ كَلّ آلاتِ الفَنَاء
ولَسَوفَ نَنْسَى الدَّمَ والظَلام
ونَفي الدُّنْیا بِرایاتِ السَّلامِ
 
ونوري القیسي في قصیدته "تحیة لجمهوریة الجزائر الحرة" یعد الشعب الجزائري الذي أعلن میلاد جمهوریته، هو الذي صنع التاریخ، ویطلب منه أن یردد على قمم الأرواس أنشودة "الجمهوریة الجزائریة" التي كان العرب مشتاقون لمیلادها، وأنْ یسكب على هضاب الجزائر قیماً ثوریة یتضاءل نور الشمس إزاء وهج إشعاعها.
 
یَا صَانِع التَّأرِیخ مُرْتَسِما   **  في وَجْنَتِیك الفَجْرِ والحَسَبُ
ردّد عَلَى "الأوراس" مُنْطَلِقَا  **  أُنَشودةٌ كُنَّا لَهَا نَصْبُو
واسْفَح عَلَى هَضَبَاتِها قِیَما  **  الشَّمْسُ فِي جَنَبَاتِهَا تَخْبُو
والشاعر زهیر غازي زاهد، في قصیدته "فجر الجزائر" یقول: بأنَّ فجر الإستقلال طلع، وهو عرس البشائر، واختلط في أفق هذا الیوم إشراق الإستقلال، مع حمرة دم الشهداء، والإستقلال كان حلم كل شهید، فلترددي النصر یاحناجر شعب العراق، ولتهتفي "عاشت الجزائر".
 
طَلَعَ الفَجرُ وهو عُرْسُ بَشَائِرُ  **  رددي النَّصْرَ یِا حَنَاجِرُ شَعْبِي
وَارْقُبِي الأفقَ جَانِ بَان سُرورِ  **  مُشْرقٌ أو دَمٌ أبِي ثَائِرُ
فَهُو یومٌ عَلَى تلولِ الضَّحَایا  **  جَاءَ یُخْتَالُ بِالجهادِ الظَّافِرِ
فَجْرُه حلمُ ألفُ شَهیدٍ  **  قَدْ تَلأْلأ مِن الدِّماءِ السَّواعِرُ
رَددي النَّصْرَ واهْزِجِي یَا حَنَاجِرُ  **  واهتِفِي عَالِیاً لِتَحْیَا الجَزائِرُ



 

عن المدون Le Grand Maghreb

بوابة الجزائر موقع تثقيفي يُعنى بالشأن الجزائري خصوصا دون الحصر و يرحب بمشاركة القرَّاء.
»
السابق
رسالة أقدم
«
التالي
رسالة أحدث

ليست هناك تعليقات :

ترك الرد