» » » الدبلوماسية الجزائرية خلال الثورة التحريرية

الدبلوماسية الجزائرية خلال الثورة التحريرية
امحمد يزيد
وضع قادة الثورة الجزائرية إستراتيجية للعمل الدبلوماسي تختلف عما كانت عليه قبل الثورة وهذا لاختلاف الأوضاع فالعمل السياسي الذي كان سائدا لم يكن يقلق فرنسا إذا تبعه نشاط دبلوماسي خارجي فكانت المراوغة التي تبديها فرنسا وكسب الوقت كافيين لإفشال أي نشاط خارجي، أما سنة 1954 فالنشاط المسلح حل محل السياسي والنشاط الدبلوماسي في الخارج اتخذ أهدافا جديدة.

في بيان أول نوفمبر :

1. تدويل القضية الجزائرية
2. تحقيق الوحدة الإفريقية في داخل إطارها الطبيعي العربي والإسلامي.
3. تأكيد عطفنا الفعال تجاه جميع الأمم التي تساند قضيتنا التحريرية.

في مقررات مؤتمر الصومام :

وعند انتشار الثورة وانتصاراتها اتخذ النشاط الدبلوماسي بعدا جديدا من خلال قرارات مؤتمر الصومام في 20 أوت 1956 الذي جاء فيه:
  1. عزل فرنسا سياسيا على المستوى الداخلي وكذا على المستوى الخارجي.
  2.  توسيع نطاق الثورة إلى حد جعلها مطابقة للقوانين الدولية.

ومن أهدافها على المستوى الخارجي أيضا:

  • تكثيف النشاط في الخارج لكسب الدعم المعنوي والمادي .
  • تصعيد تأييد الرأي العام.
  • التعريف بالقضية الجزائرية بين الدول التي أرادت فرنسا عزلها أو إبعادها عن المجريات الحقيقية في الجزائر، بالتالي تغيير نظرتها.
في جويلية 1957 أرسل أمحمد يزيد تقريرا إلى المجلس الوطني للثورة الجزائرية يلخص فيه النشاط الدولي لجبهة التحرير الوطني في ثلاث نقاط:

  1. العمل على إخراج القضية الجزائرية من الإطار الفرنسي.
  2. جعل القضية الجزائرية في نفس مرتبة القضيتين التونسية والمغربية على المستوى الدولي.
  3. إبلاغ هيأة الأمم المتحدة بالقضية الجزائرية.

لعبت الدبلوماسية الجزائرية دورا بارزا في التعريف بالقضية الجزائرية عن طريق ممثليها الذين تمكنوا من إقامة مكاتب لهم في العديد من الدول انطلاقا ما الدول العربية والإسلامية والدول الإفريقية وفي أوروبا الشرقية ثم بفضل النشاط الدؤوب تمكنوا من اختراق الدول الغربية رغم الحصار والتعتيم التي كانت تفرضه فرنسا.

على المستوى الإفريقي والآسيوي


أولى انتصارات الدبلوماسية الجزائرية هو الدعم الذي نالته القضية في أول تجمع لمنظمة الدول الآفرو-آسيوية في مؤتمر باندونغ في 24 افريل 1955 بعد 5 أشهر من اندلاع الثورة الجزائرية.

هذا الدعم ساهم في إخراج القضية الجزائرية من مجالها الضيق الإقليمي إلى المجال الدولي لكون المنظمة طالبت بإدراج القضية في جدول أعمال الدورة العاشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة المقرر عقدها في أكتوبر 1955 ثم برزت القضية الجزائرية من جديد في مؤتمر أكرا غانا في 15 أفريل 1958 الذي جمع الدول الإفريقية المستقلة التي قررت بالإجماع دعم الجزائر ومساندتها للتحرر والمطالبة باستقلالها التام.

وفي بلغراد عاصمة يوغسلافيا حيث أنعقد أول مؤتمر لحركة عدم الانحياز (1) نالت فيه الثورة الجزائرية تأييدا بالإجماع على نيل الاستقلال و سلامة ترابه بما فيها الصحراء.

على مستوى الوطن العربي


نالت القضية الجزائرية تأييدا ماديا ومعنويا كبيرا من طرف الدول العربية، فقد تحصلت على السلاح و المال والمساندة السياسية في كل المحافل الدولية كما سهلت هذه الدول لممثلي الثورة الجزائرية فيها بالنشاط السياسي عن طريق مكاتبهم المنتشرة في عواصم هذه البلدان، كما كان للدول العربية الأثر الكبير في تقديم التسهيلات للطلبة الجزائريين على مواصلة دراستهم وعلى رأس هذه الدول مصر الذي كان لها الدور الكبير في مؤتمر باندونغ وغيره من المؤتمرات مثل مؤتمر القاهرة الذي جمع 46 دولة آسيوية وافريقية في 26 ديسمبر 1957 حيث خرج بقرارات هامة للقضية الجزائرية منها الاعتراف بالكفاح الجزائري والتنديد بالسياسة الفرنسية والمطالبة باستقلال الجزائر كما نادوا إلى القيام بمسيرات ومظاهرات في عواصم هذه الدول لصالح القضية الجزائرية يوم 30 مارس 1958 وجعلوا هذا اليوم هو اليوم العالمي للتضامن مع الجزائر المجاهدة. أما في تونس والمغرب الأقصى فقد كانت تجْمَعُهم وحدة الكفاح ضد مستعمر واحد لذلك كان التنسيق بينها أمرا حتميا في العديد من المؤتمرات التي جمعتهم أهمها مؤتمر طنجة من 30-27 أفريل 1958 والذي فيه اتفقوا على الإعلان عن جبهة دفاع مشتركة ضد السيطرة الاستعمارية كما تقرر في هذا المؤتمر إيجاد خطط عملية لمساندة الثورة الجزائرية وفيه مهدت جبهة التحرير الوطني أرضية تشكيل الحكومة الجزائرية المؤقتة التي تم إنشاؤها رسميا في القاهرة يوم 19 سبتمبر 1958. 

على المستوى الدولي في الأمم المتحدة


إن الدعم الذي نالته من الدول الإفريقية والآسيوية وعلى رأسها الدول العربية هو السبب الذي أوصل القضية الجزائرية إلى التدويل في الجمعية العامة لهيأة الأمم المتحدة متحدين بذلك فرنسا وحلفائها في الحلف الأطلسي الذين لعبوا دورا كبيرا في دعم فرنسا الاستعمارية.

بدأت القضية الجزائرية تتداول في لوائح الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ دورتها العاشرة (2)في سبتمبر 1955 وذلك بعد أسابيع قليلة من هجوم جيش التحرير الوطني على الشمال القسنطيني يوم 20 أوت1955 ، بقيت القضية الجزائرية تناقش في الأمم المتحدة لسبع دورات متتالية من سنة 1955 إلى غاية1962 ، لعبت خلالها الدبلوماسية الجزائرية ممثلة بإطاراتها السياسية دورا بارزا في كل بقاع العالم لكسب تأييد الشعوب لها إلى أن تبنت الجمعية العامة في دورتها السادسة عشر سنة 1961 قرارا يطالب بالدعوة إلى التفاوض بغرض التوصل إلى حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره و الاستقلال في إطار احترام الوحدة والسيادة الإقليمية للجزائر.

وسائل الكفاح الدبلوماسي الجزائري


سطرت الثورة الجزائرية للعمل الدبلوماسي في الخارج عدة طرق وأساليب حيث لم تكتف فقط بالجانب السياسي بل بكل ما يمكن أن يفيد في التعريف بالقضية ومن هذه الوسائل والأساليب:

التمثيل السياسي : عن طريق ممثلي الثورة في الخارج حيث كانوا يقومون بمختلف النشاطات منها:

  • عقد الملتقيات والندوات والمحاضرات في المعاهد والجامعات للتعريف بالقضية الجزائرية.
  • فتح مكاتب جبهة التحرير في عواصم الدول المساندة للثورة لتمثيل الجزائر بها.
  • تنظيم الجالية الجزائرية في المهجر لدعم ثورتهم ماديا ومعنويا وفي فرنسا أنشأت فدرالية جبهة التحرير التي لعبت دورا كبيرا في تنظيم الثورة داخل فرنسا، وصنفت قسم العمل السياسي والعسكري بالولاية السابعة.
  • إنشاء شبكات الدعم لتزويد الثورة بالمال والسلاح.

التمثيل الثقافي و الرياضي:
الذي أولى له مؤتمر الصومام أهمية خاصة فقد نادت جبهة التحرير بإنشاء فرق رياضية ومسرحية وسينمائية لتنشط داخل التراب الوطني كوسيلة لنشر الوعي بين الشعب الجزائري وفي نفس الوقت كانت هذه الفرق تحضر التظاهرات الدولية كممثلة للشعب الجزائري وعن طريقها تحسس شعوب العالم بوجود شعب له هويته وثقافته لأن الوجود الاستعماري الفرنسي الذي فاق القرن حاول طمس هُوِيَّة هذا الشعب في العالم خاصة منه العالم الأوروبي، فتمثيل هذه الفرق للجزائر بواسطة كرة القدم أو المسرح أو الصورة السينمائية، كان له الدور الكبير في تغيير ذهنيات العديد من الدول وبالتالي كسب المساندة والتأييد.

خلاصة

لا يمكن لأي ثورة أن تكون بمعزل عن العالم الخارجي فالمساندة والتأييد بمختلف أنواعه هو جزء من الانتصار وكان القادة الأوائل قد أحسنوا التخطيط لذلك فابتعدوا عن الصراعات الدولية والتزموا الحياد حيث كان يهم الثورة وقادتها فقط استقلال الجزائر ومساندة الحركات التحررية الأخرى لكونها جزء منها، وهو ما جعل فرنسا تفشل في محاصرة الثورة خارجيا حيث لم تجد ادعاءاتها الكاذبة أذانا صاغية للعديد من دول العالم وهذا بفضل النشاط الكبير الذي كان يقوم به رجال جبهة التحرير الوطني في العالم، من هنا يمكننا استنتاج نتائج هذا النشاط الخارجي:
  • كسب التأييد من مختلف دول العالم.
  • تزويد الثورة بالمال والسلاح.
  • الإصرار على مناقشة القضية الجزائرية في الجمعية العامة رغم الفيتو الفرنسي.
  • أصبحت الجزائر رائدة الحركة الوطنية تقيم لها الدول أياما خاصة .
  • المكانة التي عرفتها الثورة الجزائرية جعل كل الدول الاستعمارية تخشى على مستعمراتها.
من هذا النشاط المناهض للإستعمار التي تقوم به الجزائر في المحافل الدولية، خاصة إذا علمنا أن قوة الثورة والهزائم التي تلقتها فرنسا كان سببا في استقلال تونس والمغرب (مارس 1956) للتفرغ للجزائر و في سنة 1960، اشتدت الثورة في الداخل وفي الخارج الشيء الذي أدى بفرنسا إلى التخلي عن اثني عشرة دولة إفريقية.


 (1) حركة عدم الانحياز هي التسمية الجديدة لمنظمة الدول الآفرو-آسيوية عرفت بهذا الاسم في أول مؤتمر لها في بلغراد عاصمة يوغسلافيا من 1-6 سبتمبر 1961 حضرته 25 دولة حديثة الاستقلال.  أهمية الحركة تكمن في أنها أخرجت التنظيم الأول من الحيز الإقليمي إلى الدولي بانضمام يوغسلافيا من أوروبا وكوبا من أمريكا الوسطى.

(2) في هذه الدورة نوقشت القضية الجزائرية فكانت النتيجة لصالح الجزائر ب 28 صوت ضد 27 و امتناع 5 دول عن التصويت ومن الدول التي صوتت لصالح الجزائر هي : مصر، اليونان، أفغانستان، اندونيسيا، العراق، لبنان، سوريا، المملكة السعودية، يوغسلافيا، اليمن، الاتحاد السوفيتي سابقا.  و من الدول المعارضة: استراليا، بلجيكا، البرازيل، الدانمرك، هولندا، دولة الصهاينة، تركيا، السويد، جنوب إفريقيا  .أما الدول الخمس الممتنعة فهي : الصين الوطنية، السلفادور، أثيوبيا، أيسلندا، باراغواي.

عن المدون Le Grand Maghreb

بوابة الجزائر موقع تثقيفي يُعنى بالشأن الجزائري خصوصا دون الحصر و يرحب بمشاركة القرَّاء.
»
السابق
رسالة أقدم
«
التالي
رسالة أحدث

1 comments :

  1. مواضيع غاية في الروعة شكرا

    ردحذف