» » مدرسة مازونة العلمية

 
 
المدرسة الفقهية التي ظهرت إلى الوجود في مدينة مازونة بالغرب الجزائري، هي رديفة المدارس المعروفة بالجزائر، بجاية، قسنطينة بإقليم الشرق، تلمسان، مازونة وهران بإقليم الغرب.

عرف الشريف الإدريسي مازونة فقال: هي مدينة بين جبل في أسفل، ولها أنهار ومزارع وبساتين وأسواق عامرة ومساكن موفقة ولسوقها يوم معلوم وهي من أحسن البلاد صفة وأكثرها  فواكه وخصب
 
يرجع الفضل في بروز مدينة مازونة إلى الوجود كحاضرة علمية إلى الهجرة الأندلسية التي استقرت بها فأسست بها هذه الجالية الموريسكية زراعة وصناعة فأصبحت شبيهة بقراهم ومدنهم الأندلسية و ظهرت مدرسة مدينة مازونة التي أقامها الشيخ محمد بن الشريف البولداوي، وهي نموذج من نماذج مدارس الجهة الغربية من المغرب الأوسط(1).  ثم أسس الفقيه العارف محمد بن علي الشارف المازوني مدرسة تربوية بمازونة في بداية القرن الحادي عشر الهجري، وقام بالتدريس فيها إلى أن لقي ربه، ثم تجدد ازدهار المدرسة على يد الشيخ أبو طالب محمد بن علي، في بداية القرن الثاني عشر الهجري، وخلفه على المدرسة أخوان من أبرز تلامذة المدرسة هما: الشيخ محمد بن هني وشقيقه الشيخ عبد الرحمن بن هني(2).
 
أما أشهر طلبة هذه المدرسة فهو الفقيه العالم  محمد أبوراس الناصر المعسكري المولود عام 1150هـ/1737م بقلعة بني راشد قرب معسكر، استوعب علوم عصره وكان من طلبة مازونة النجباء، توفي عام 1238هـ/17 أبريل 1823م.ترك ثروة فقهية وعلمية كبيرة وسلسلة طويلة البعض مفقود والبعض مخطوط، فقد خلف وراءه مائة وستة وثلاثين مخطوطة بين قصيرة وطويلة، ولم يطبع منها إلا اثنان(3). الأول: فتح الإله ومنته في التحث بفضل ربي ونعمته أو حياة أبي راس الذاتية والعلمية، نشره محمد بن عبد الكريم الجزائري رحمه الله بالجزائر عام 1990م والسيرة في حوالي 185 صفحة من الحجم الكبير، وهي سيرة مميزة تدخل في باب السيرة العلمية، وهي تجربة غنية صادقة عن حواضر وأعلام الجزائر في عصر أبي راس الناصر المعسكري، وهو الذي عاصر قرني المصاعب والكوارث خلال القرنين الثامن عشر وعقدين من القرن التاسع عشر، والكتاب الثاني/عجائب الأسفار وقد طبع مترجمًا إلى الفرنسية من طرف السيد أرنو.نشر كاملا عام 1885م، بعد أن نشره على حلقات في المجلة الإفريقية.
 
ومما يبرهن عن أهمية مدرسة مازونة الفقهية ما جاء على لسان أبي راس الناصر قال سألني الشيخ محمد بن لبنة عن وجهتي، فقلت له ذاهب إلى مازونة، قال لما؟ قلت: لقراءة الفقه، فقال: والقرآن؟ فقلت له: نعرفه بأحكامه وأنصاصه وما يتعلق به، فحفظت في مازونة مختصر خليل وفهمته معنى ولفظًا في عامي الأول، ثم قرأت للطلبة الفرائض، وتتلمذ على الشيخ العلامة الناصح محمد بن القندوز المستغانمي(4)، الذي تتلمذ عليه محمد بن علي السنوسي المستغانمي بعد أن حفظ قدرًا من الكتاب والفقه على يد كفيلته العالمة الفاضلة عمته فاطمة في بوقيرات،وكان هذا العالم الفذ سيدي محمد بن القندوز قوالا للحق فقتله الباي حسن، مما أدى إلى هجرة السيد السنوسي الكبير الفقيه مجدد سيرة محمد بن عبد الوهاب بالغرب، في ليبيا والجزائر وتشاد والصحراء الكبرى.
 
وممن درس وتخرج في مدرسة مازونة الشيخ عدة بن غلام الله مجدد الطريقة الشاذلية ومؤسس الزاوية في جبل محنون بضواحي تيارت، منهم محمد بن العالم قاضي منطقة بركان، والمأمون بن العالم باش عدل وجدة، بالمغرب الأقصى.
 
أبو راس الناصر شخصية علمية محترمة صال وجال مشرقًا ومغربًا، ومحمد أبو راس الراشدي المعسكري(1165ء1238هـ/1751ء1823م) وما يعنينا أنه ممن اتهم بانتمائه إلى ثورة درقاوة على السلطة العثمانية عام 1217هـ/1802م وهو من وجهاء وأعيان الجزائر في عصره وقد كتب(درء الشقاوة في حروب درقاوة) وهي الحروب التي عرفت أيام ولاية مصطفى باشا على الجزائر.وأشار إلى ثورة درقاوة، وهي ثورة عنيفة كادت تعصف بالسلطة العثمانية، وقد تكون الثورة بإيعاز من سلاطين المغرب، وقد ألف فيها أبو راس كتابًا هو في حكم المفقود(5).
 
لقد كانت مازونة مدرسة و حاضرة فقهية، فاستمرار البحث في تراث هذه الحاضرة التي كانت في يوم ما عاصمة بايلك الغرب الجزائري يقودنا ربما إلى العثور على مصادر دفينة تمكننا من سد فجوات كبيرة في ميراثنا الفقهي خاصة والعلمي عامة. 
 
 
 

 
(1)- Belhamissi(m), Mazouna, une petite ville, une langue histoire, Alger, SNED,1982.P:49.
حنيفي هلايلي، الموريسكيون الأندلسيون في المغرب الأوسط خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، رسالة ماجستير مخطوطة، إشراف: أ.د.عبد الحميد حاجيات، جامعة وهران، كلية العلوم الإنسانية والحضارة الإسلامية، قسم التاريخ، السنة الجامعية 1999-2000م.ص:199.

(2)- د.بوعبد الله غلام الله، نظرة عامة على التعليم الأهلي في سهل الشلف خلال النصف الأول من القرن العشرين (أعمال الأسبوع الوطني الثالث للقرآن الكريم) الجزائر، منشورات وزارة الشؤون الدينية والأوقاف 1424هـ/ 2003م ص:37.

(3)- راجع مؤلفات أبي راس الناصر/ محمد أبو راس الجزائري، فتح الإله ومنته في التحدث بفضل ربي ونعمته(حياة أبي راس الذاتية والعلمية) حققه وضبطه محمد بن عبد الكريم الجزائري، تقديم د.أبو القاسم سعد الله، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1990م.ص:21. يحيى بوعزيز، أعلام الفكر والثقافة في الجزائر المحروسة، الجزء الثاني، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1995م.ص:234-244.

(4)- أبو راس الناصر، فتح الإله(سيرة أبي راس) ص:20-21.

(5)- انظر: أبو راس الجزائري، فتح الإله ومنَّته في التحدث بفضل ربي ونعمته،(مقدمة الدكتور أبو القاسم سعد الله)د أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، الجزء الأول، ص:222.عبد الرحمن بن محمد الجيلالي، تاريخ الجزائر العام، الجزء الرابع، ص:569 وما بعدها. د.محمد الأمين بلغيث، الشيخ محمد بن عمر العدواني، مؤرخ سوف والطريقة الشابية، الجزائر، مارس 2002م.ص:76.

عن المدون Le Grand Maghreb

بوابة الجزائر موقع تثقيفي يُعنى بالشأن الجزائري خصوصا دون الحصر و يرحب بمشاركة القرَّاء.
»
السابق
رسالة أقدم
«
التالي
رسالة أحدث

ليست هناك تعليقات :

ترك الرد