» » فرنسا الرسمية و الثورة الجزائرية الكبرى

لم تكن فرنسا تتوقع ثورة عارمة لشعب طالما احتقرته واستعبدته لفترة زادت عن 132 سنة، ولم تكن مستعدة للتعامل بواقعية مع الثورة التي وضعت نصب أعينها الحرية أو الإستشهاد، هذا الإصرار من لدن الجزائريين هو الذي أفشل كل مخططات المستعمر الرامية إلى القضاء على الثورة وتصفيتها.
 

مواقف فرنسا من الثورة  

أ- موقف فرنسا من الثورة  (1954 - 1958) 

فوجئ المعمرون والسلطات الاستعمارية بالثورة، واصدر الحاكم العام "روجي ليونار" في اليوم التالي لاندلاعها بيانا يطمئن فيه الفرنسيين، ويتوعد من أسماهم ب "الخارجين عن القانون" الذين نفذوا العمليات بأشد العواقب، أما وزير الداخلية آنذاك فرانسوا متيران فقد صرح لجريدة لوموند قائلا إذا كان التفاوض ممكنا مع ثوار المغرب وتونس باعتبارهما دولتين بالمعنى القانوني
للكلمة فإن التفاوض مع جبهة التحرير في الجزائر هو السلاح، وراح رئيس وزراء فرنسا "منديس فرانس" يتهم الثورة بأنها خارجية، وصرح يوم 12 نوفمبر 1954 م بما يلي : "إن الجزائر هي فرنسا، ولن نتساهل عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن سلامة الجمهورية ".
وقد اتخذت حكومة منديس فرانس عدة إجراءات للقضاء على الثورة هي:
- فرض الإقامة الجبرية على من تشك فيهم.
- مراقبة حركة الجزائريين.
- حل حركة الانتصار والاتحاد الديمقراطي .
- شنت حملة قمع واسعة النطاق في الأوراس قادها العقيد "دوكونور" أسفرت في شهر نوفمبر وحده عن قتل أكثر من 4200 جزائري واعتقال الآلاف.
- ارتفاع عدد أفراد القوات المسلحة الفرنسية خلال اشهر قلائل من 49 ألف إلى قرابة 100 ألف.
- فرض حالة الطوارئ في الأوراس وبلاد القبائل ( 31 مارس 1955 )ثم في سائر القطر (أفريل 1955 م).
عجزت حكومة منديس فرانس عن القضاء على الثورة رغم وعودها المؤكدة  بتحقيق ذلك فسقطت في 4 فيفري 1955 ، بعدما عينت المجرم "جاكسوستيل" حاكما عاما جديداعلى الجزائر في 26 جانفي 1955 م. خلفتها حكومة "ادغار فور" التي قامت هي الأخرى بعدة إجراءات عسكرية للقضاء على ثورة نوفمبر وقد تمثلت هذه الإجراءات فيما يلي:
- أعلنت حالة الطوارئ في البلاد.
- استقدمت قوات إضافية .
 
لكن امتداد لهيب الثورة مع بداية 1956 م، افقد حكومة "فور" ثقة الناخب الفرنسي، فسقطت لتحل محلها في جانفي 1956 م حكومة  "غي موليه" التي حاولت هي الأخرى القضاء على الثورة التحريرية باتخاذها الإجراءات العسكرية التالية:
- عينت المجرم "لاكوست" وزيرا مقيما في الجزائر وأعطت للإدارة الفرنسية في الجزائر سلطات خاصة.
- عززت القوات المتواجدة في الجزائر حتى وصل عدد أفراد القوات الفرنسية في بلادنا الى 400.000 عسكري زيادة على ميليشيات المعمرين.
- أمر سوستيل بشن حملات عسكرية كبيرة على الأوراس و بلاد القبائل .
عجزت حكومة "غي موليه "عن التصدي للثورة فسقطت في 21 ماي 1957 خلفتها حكومة "بورجس مونوري" إلى غاية 30 سبتمبر 1957 م وتلتها حكومة "غايار" حتى 15 افريل 1958 م فحكومة "فليملن" إلى 28 ماي من نفس السنة ( 1958 )، وقد كان أهم عوامل سقوط هذه الحكومات جميعا هو إخفاقها في مواجهة الثورة التحريرية، وقد عمدت تلك الحكومات المتعاقبة إلى انتهاج
سياسات غاية في الشدة والوحشية والهمجية تمثلت فيما يلي:
- تدمير القرى والقمع والإيقاف الجماعي .
- إنشاء المناطق المحرمة .
- انتهاج سياسة الأرض المحروقة.
- التوسع في إنشاء مكاتب " الفرق الإدارية المختصة " (لاصاص) كما فعلت في فيتنام .
- ملء المعتقلات والسجون بالمواطنين بمعدل 30 ألف معتقل شهريا تقريبا .
- إكثار مكاتب المباحث و القتل و التعذيب.
- دمج العسكريين بقوات الأمن منذ أكتوبر 1956 م فضم جهاز الشرطة إلى الجيش، وجعل تحت قيادة السفاح ماسو (خاصة في عهد القائد العام سلان) المعين في ديسمبر 1957 ، وفي ذلك الإطار كلفت فرقة المظليين العاشرة بعد عودتها من حملة السويس "بتهدئة الوضع" في الجزائر العاصمة .
- إنشاء خطوط الأسلاك الشائكة الملغمة والمكهربة على الحدود مع تونس والمغرب وهي خط موريس في الشرق و بدء العمل فيه في جوان 1957 م وانتهى في جانفي 1958 م وخط آخر في الغرب (خط موريس) وذلك لمنع تسلل المجاهدين وإدخال الأسلحة عبر
الحدود بل إن القيادة الفرنسية فكرت بضرب جيش التحرير الوطني في كل من تونس والمغرب، وقد بلغ عدد القوات الفرنسية في نهاية هذه المرحلة 500 ألف عسكري و 400 ألف من البوليس والميليشيات تدعمهم آلاف المدافع والآليات وحوالي 600 طائرة حربية و 20 هليكوبتر، وبعد فشل كل المحاولات العسكرية لتطويق الثورة والقضاء عليها، أقدم بعض العسكريين المتطرفين في الجيش الفرنسي في ماي 1958 م على القيام بانقلاب عسكري أوصل ديغول إلى الحكم في فرنسا. 

ب- موقف فرنسا من الثورة في عهد ديغول (1958 - 1960) 

اعتمدت فرنسا الإستعمارية في عهد ديغول على مختلف الأساليب للقضاء على الثورة وتجسيد فكرة الجزائر فرنسية التي من أجلها حدث الإنقلاب الذي أوصل ديغول في ماي 1958 إلى الحكم وتأسيس الجمهورية الفرنسية الخامسة التي منح دستورها لرئيس الجمهورية صلاحيات واسعة تمكنه من تحقيق أطماع المعمرين في إخماد الثورة، وأبرز الأساليب التي اعتمدها ديغول للقضاء على الثورة هي: 

الأسلوب العسكري : 

- زيادة عدد القوات العسكرية حتى أصبحت في عام 1959 م مليون جندي ، مع الاستعانة بإمكانيات الحلف الأطلسي .
- الإكثار من مكاتب لاصاص، ومدارس التعذيب مثل مدرسة جون دارك بسكيكدة.
- تجنيد العديد من العملاء والحركة ووقوفهم بجانب فرنسا ضد إخوانهم الجزائريين.
- إقامة المناطق المحرمة والمراكز العسكرية .
- تشديد المراقبة على الحدود الجزائرية الشرقية والغربية عن طريق تدعيمها بالأسلاك الشائكة المكهربة.
- عزل جيش التحرير الوطني عن الشعب بتجميع هذا الأخير في محتشدات أقيمت بالقرب من مراكز العدو
- تكثيف العمليات العسكرية ضد الثوار الجزائريين مثل عملية"بريمر" (الضباب) بالقبائل في أكتوبر 1958 م، التي اشترك فيها أكثر من 10 ألاف جندي فرنسي يقودهم 14 جنرالا.
- إسناد قيادة الجيش الفرنسي إلى الجنرال "شال" خلفا للجنرال "سالان" في جانفي 1959 م، وقد قام هذا الأخير بوضع خطة عسكرية عرفت باسمه "خطة شال"و تتمثل في عمليات تمشيطية برية،بحرية وجوية وتسليط هذه العمليات على مناطق الثورة لتطهيرها من الثوار نهائيا .
وقد عرفت الجزائر في عهد ديغول العديد من العمليات مثل :
- عملية التاج في الولاية الخامسة في فيفري 1959 م شارك فيها أكثر من 30 ألف جندي فرنسي .
- عملية المنظار بالولاية الثالثة في جويلية 1959 م دامت 6 أشهر شارك فيها 70 ألف جندي فرنسي .
- عملية الأحجار الكريمة بالولاية الثانية في ديسمبر 1959 م، وشارك فيها 10 آلاف جندي. 

الأسلوب السياسي: 

في الوقت الذي كانت الجمهورية الفرنسية الخامسة بقيادة الجنرال ديغول تعمل على قمع الثورة الجزائرية بالقوة العسكرية، كانت تستعمل سلاحا آخر لإغراء الشعب و إبعاده عن ثورته، وأهم الإجراءات التي استعملتها هي :
-اعتماد الدعاية الكاذبة للحط من شأن الثورة وتغليط الرأي العام الوطني والدولي.
- تنظيم استفتاء عام على دستور الجمهورية الخامسة في 28 سبتمبر 1958 م حيث عوملت الجزائر كأرض
فرنسية وبالرغم من مقاطعة أغلبية الشعب الجزائري لهذا الاستفتاء ، فان الإدارة الفرنسية زيفت هذه العملية لإظهار الشعب بمظهر المؤيد لديغول وسياسته، وقد صرح ديغول مباشرة بعد الإعلان عن نتائج الاستفتاء: " لقد أظهر الاقتراع على الدستور ثقة الجزائريين، ورغبتهم في البقاء مع فرنسا "
- عرض سلم الشجعان والحديث عن الشخصية الجزائرية وتقرير المصير، فقد صرح ديغول يوم 16 سبتمبر 1959 م :
" اعتمادا على جميع المعطيات الجزائرية الوطنية منها والدولية اعتبر أنه من الأهمية بمكان وجوب اللجوء إلى تقرير المصير ".
ويعتر هذا العرض مراوغة و خدعة أخرى من طرف ديغول خاصة وأنه وضع شروط تعجيزية لنجاح
استفتاء تقرير المصير مثل:
- إن الاستفتاء على تقرير المصير لن يتم إلا بعد مدة طويلة .
- عدم الإعتراف بجبهة التحرير الوطني كمفاوض وحيد، حيث رأى أن هناك قوة ثالثة يمكن التفاوض معها أيضا.
- تقسيم الجزائر إلى شمال وجنوب، وبالتالي إمكانية الاحتفاظ بالصحراء النفطية. 

الأسلوب الاقتصادي : 

بالإضافة إلى محاولة ديغول القضاء على الثورة عسكريا ثم سياسيا، لجأ إلى الأسلوب الاقتصادي عن طريق:
-الإعلان عن بعض المشاريع الاقتصادية والاجتماعية التي تضمنها الخطاب الذي ألقاه ديغول بقسنطينة  13/05/1958 (مشروع قسنطينة) وتمثلت في: 
- توزيع 250 ألف هكتار من الأراضي الزراعية على الفلاحين.
- إقامة قاعدة للصناعة الثقيلة وأخرى للصناعة الخفيفة.
- توظيف عددكبير من الجزائريين.
- بناء المدارس والمساكن ( 200 ألف مسكن)، ومراكز للصحة وغيرها من لتجهيزات .
والملاحظ أن ديغول من خلال هذا المشروع تجاهل الأسباب الحقيقية للثورة الجزائرية وزعم أنها أسباب قتصادية واجتماعية، وبالتالي يمكن القضاء عليها بتحسين المستوى الاقتصادي و الاجتماعي للشعب لجزائري، إلا أن هذه المحاولة باءت بالفشل بل كانت عاملا هاما في تصعيد العمليات الثورية ضد الوجود لإستعماري لإجباره على التعامل بواقعية مع القضية الجزائرية، وحتى الشعب الجزائري ورغم حاجته لملحة لهذه الإصلاحات للتخفيف من معاناته إلا أنه رفضها مبديا استعداده للتضحية بكل ما يملك في سبيل
تحقيق أهداف الثورة المتضمنة في بيان أول نوفمبر وهي الحرية والإستقلال وإقامة دولة ديمقراطية في طار المبادئ الإسلامية. 

تطور الموقف الدولي اتجاه الثورة الجزائرية: 

مع بداية الثورة الجزائرية، وقفت العديد من الدول موقف الحياد من القضية الجزائرية، بل لكثير منها أيدت فرنسا في أعمالها الوحشية، وبعد الانتصارات العديدة التي حققتها الثورة، تغيرت هذه لمواقف وكسبت الثورة تأييدا دوليا كبيرا خصوصا بعد تكوين الحكومة المؤقتة في سبتمبر 1958 م، وقد مثل هذا الموقف الدولي في:
 1- استقبال الوفد الجزائري استقبالا حارا في مؤتمر التضامن الإفريقي لأسيوي الذي انعقد بالقاهرة سنة 1958 م، وقد دعا المؤتمر إلى قيام مظاهرات شعبية في جميع البلاد لمشتركة فيه، لنصرة الجزائر وتعبئة الرأي العام العالمي لاستنكار السياسة الفرنسية في الجزائر، كما دعا لمؤتمر إلى الإعتراف الفوري باستقلال الجزائر، وإلى إجراء مفاوضات بين فرنسا و جبهة التحرير لوطني .
-2 شاركت جبهة التحرير الوطني في مؤتمر أكرا للدول الإفريقية الحرة عام 1958 م ولقيت تأييدا من لمؤتمر لقضية استقلال الجزائر، ووعدت الدول الإفريقية بتقديم المساعدات المختلفة للجزائر.
-3 إسراع العديد من الدول الصديقة والشقيقة إلى الإعتراف بالحكومة المؤقتة عند تأسيسها في سبتمبر1958 مثل : الدول الشيوعية، والدول العربية وكذلك غانا، غينيا، مالي،يوغسلافيا. ولم تكتف الصين لشعبية بالاعتراف بالحكومة المؤقتة فقط بل دعت وفدا من الحكومة المؤقتة لزيارة الصين، وأثناء هذه لزيارة أعلن نائب رئيس الوزراء الصيني أنه في وسع الشعب الجزائري أن يعتمد في الأيام التالية على أييد 650 مليون من الصينيين تأييدا مطلقا.
-4 إقامة مكاتب لجبهة التحرير الوطني في الكثير من عواصم الدول.
وأخيرا أصبحت القضية الجزائرية تطرح باستمرار في جلسات الأمم المتحدة، والتي بدأت تلح على لإعتراف بحق الشعب الجزائري في الإستقلال،ودعت في نفس الوقت على ضرورة قيام مفاوضات بين لحكومة الفرنسية والحكومة الجزائرية المؤقتة.

خلاصة 

 استعملت الجمهورية الخامسة وعلى رأسها ديغول كل الأساليب للاحتفاظ بالجزائر، إلا أنها لم تنجح تحت ضغط الثورة الجزائرية والتفاف الشعب حولها وسلمت في النهاية بضرورة استقلال الجزائرهذا الاستقلال الذي ضحى من أجله مليون و نصف مليون شهيد.

عن المدون Le Grand Maghreb

بوابة الجزائر موقع تثقيفي يُعنى بالشأن الجزائري خصوصا دون الحصر و يرحب بمشاركة القرَّاء.
»
السابق
رسالة أقدم
«
التالي
رسالة أحدث

2 comments :

  1. خوفهم دفعهم الى كل ما فعلوا

    ردحذف
    الردود
    1. بلدي الجزائر24 مارس، 2017 2:41 ص

      إن كل ما ناضلته الثورة عسكريا و تضحياتها تستحق كل التبجيل و الإحترام
      فرنسا حفرت حفرة للثورة فوقعت فيها ها ها ها ها

      حذف