ترجمة: د. محمد دراج - أستاذ التاريخ الحديث بجامعة الجزائر.

تعد شخصية المجاهد خير الدين بربروس شخصية أسطورية بكل المقاييس، فقد تحولت حياته إلى نوع من الأسطورة التي تتجاوز الواقع لتحلق في ما ينسجه الذهن من صور متناقضة من البطولة أو الإرهاب بلغة هذه الأيام. إن مجرد ذكر اسم هذا المجاهد البطل حتى تمتزج الأسطورة الخارقة والخيال الجامح بالحقائق التاريخية فهو عند المسلمين محرر نصر المستضعفين في العديد من الدول خاصة في سواحل شمال افريقيا وجنوب اوروبا وهو بالنسبة للأوروبيين قرصان مارد تكبدوا على يديه خسائر فادحة في الأرواح والثروات. 

الكتاب الذي سنقوم بترجمته ونشره في حلقات، عبارة عن مذكرات أملاها البحار التركي خير الدين بن يعقوب باشا الشهير بلقب " بربروس"(1) على زميله البحار الأديب الشاعر " سيد علي المرادي " بناء على طلب من السلطان العثماني الكبير سليمان القانوني. 

وتوجد نسخ مخطوطة للكتاب بمكتبة جامعة إسطنبول، ومكتبة طوب كابي سراي بإسطنبول. كما ترجم الكتاب إلى الفرنسية، والأيطالية، والانجليزية، والإسبانية. وقد نشر ابتداء من القرن التاسع عشر الميلادي ولكن بتعديلات كبيرة. وصدر الكتاب بأسماء مختلفة وبتعديلات كبيرة وبأسماء عديدة ومنسوبا إلى غير ممليه أو كاتبه وإنما إما باسم ( مؤلف مجهول ) أو بأسماء من ترجموه إلى اللغات الأخرى. فبدت النسخ المترجمة إلى تلك اللغات وكأنها لا صلة تربطها بالكتاب الأصلي. كما أجريت حول المذكرات دراسة أدبية في جامعة سلجوق بقونيا ( تركيا ) في قسم الأدب الإسلامي التركي باسم : خير الدين بربوس ومذكراته.

قام الباحث التركي أرتوغرول دوزداغ بتحويل الكتاب إلى قصة ملحمية محتفظا بنفس العنوان (غزوات خير الدين بربروس). كما قامت القيادة العامة للبحرية التركية بنشرالمذكرات باللغة التركية الحديثة مع تعديل بسيط في صياغتها. أما المؤرخ التركي يلماز أوز تونا فقد قام بتهذيبها ونشرها باللغة التركية الحديثة في مجلة الحياة التاريخية عام 1967. قبل أن يعيد نشرها كاملة في كتاب عام 1995.

وقد قمنا باختيار النسخة المهذبة التي نشرها الأستاذ أوز تونا لكونه لم يتدخل في النص الأصلي إلا بشكل بسيط جدا حسبما ذكره هو بنفسه. فحافظ بذلك على روح النص الأصلي بما يسمح للقارئ أن يعيش في الجو الفكري والنفسي الذي كتبت فيه تلك المذكرات. من جهتنا لم نقم بأي تدخل في أصل المذكرات. بل قمنا بترجمتها كما هي ماعدا بعد التحويرات اللغوية البسيطة للمحافظة على الانسياب اللغوي العربي. وسأكون سعيدا بأي ملاحظة يتفضل الإخوة القراء بإبدائها، أو استفسار يتعلق ببعض الأسماء، أو الأماكن، أو المصطلحات، أو الحوادث التي ترد في المذكرات لكي أقوم بتوضيح ما يلزم توضيحه. 


أما فيما يخص التفاصيل العلمية المتعلقة بالمذكرات، والترجمة الكاملة لخير الدين بربروس فسوف أقوم بنشرها عبر مجلة (المقدمة) إن تيسر لنا ذلك قريبا إن شاء الله.
آمل أن أكون بنشر هذه المذكرات قد ساهمت بإضافة قطرة إلى بحر الجهود المخلصة التي يبذلها الكثير من الجنود المجهولين الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا.

بدأت إملاء مذكراتي بأمر من السلطان سليمان القانوني

في أثناء اتصالي بالسلطان سليمان خان بن سليم خان، ورد عليّ فرمان سلطاني، هذا نصه : 

"كيف خرجت أنت وأخوك أروج من جزيرة ميديللي، وفتحتم الجزائر ؟ ما لغزوات التي قمتم بها في البر والبحر حتى الآن ؟. دوّن كل هذه الحوادث بدون زيادة أو نقصان في كتاب. وعندما تنتهي أرسل إليّ نسخة لأحتفظ بها في خزانتي ".
عندما استلمت هذا الأمر، استدعيت أحد أرباب القلم، زميلي في الكثير من غزوات البحر "المرادي"، وأخبرته بفرمان السلطان. فبدأنا على الفور في التدوين. أنا أملي، و" المرادي " يكتب : 

استقرار أبي يعقوب آغا في ميديللي وزواجه بأمي


عندما فتح السلطان محمد الفاتح جزيرة ميديللي، أمر الأتراك بالاستيطان في الجزيرة، فكان أبي أحد المستوطنين الأوائل، كما كان ابنا لأحد فرسان السباهية(2)، كما كان هو نفسه سباهيا أيضا. وكانت له في منطقة واردار المجاورة لسلانيك أرض إقطاع وهبت له بأمر من السلطان محمد الفاتح، عندما استقر بالجزيرة. 
وهكذا، فعندما انتظمت أمور والدي من جديد، تزوج إحدى بنات أهالي الجزيرة. كان أبي أنيقا شجاعا. أنجبت له أمي أربعة أخوة هم : إسحاق الذي كان أكبر إخوتي، ثم أخي أروج، ثم أنا خضر، ثم إلياس. مدّ الله في عمر الجميع، ورزقهم النصر.
كان أخي إسحاق مقيما في قلعة ميديللي. أما أنا وأخي أروج فقد كنا مولعين بركوب البحر. اقتنى أخي أروج سفينة، وانطلق بها للتجارة في البحر، بينما اتخذت أنا مركبا ذا 18 مقعدا. كنا في البداية نتنقّل بين سلانيك وأغريبوز، نجلب منهما البضاعة، ونبيعها في ميديللي. إلا أن أخي أروج لم يقتنع بهذه الأسفار القريبة. إذ كان يرغب في الذهاب إلى طرابلس الشام. وذات يوم غادر ميديللي مع أخي الصغير إلياس، متوجهين إلى طرابلس.

وقوع أخي عروج أسيرا في أيدي كفار رودس ومكوثه عندهم بضع سنين

لم يتمكن أخي أروج من الوصول إلى طرابلس الشام، فقد صادف في طريقه سفن فرسان جزيرة رودس، واشتبك معهم

في معركة كبيرة، سقط على إثرها أخي إلياس شهيدا، رحمه الله. بينما استولى الكفار على السفن، وأخذوا أروج أسيرا بسفينته إلى رودس مقيدا بالسلاسل. عندما وصل الخبر إلى ميديللي، حزنت وبكيت عليه كثيرا. لكنني شرعت في الحال أبحث عن سبيل لإنقاذ أخي.

كان لي صديق كافر يدعى كريغو يقوم بالتجارة مع جزيرة رودس. أخذته معي في سفينتي، وقدمت به إلى بدروم، وقلت له :
- "اليوم تتبين الصداقة. خذ هذه ال: 18.000 أقجة(3)، وأعنِّي على إنقاذ أخي. اذهب إلى رودس، وانظر الأمور هناك. وسوف أنتظرك في بودروم ".
- كريغو: "على الرأس والعين"، قال ذلك، ثم مضى إلى رودس. وهناك قابل أخي أروج رئيس وقال له :
- "أخوك خِضر يسلم عليك، ويدعو لك كثيرا. وهو في غاية الحزن عليك بسبب وقوعك أسيرا في أيدي الكفار. ولا يكاد يكف عن البكاء عليك ليلا أو نهارا. وقد أرسلني إليك. وهو الآن في بودروم ينتظر أخبارا سارة عنك ".

عندما سمع أروج ذلك من كريغو بكى من شدة الفرح، وقال له :
- "سلّم على أخي خضر. يجب أن لا يعلم أحد سبب قدومك إلى الجزيرة، وسنلتقي في أول فرصة تتاح لنا ".
كان أروج رئيس يعرف في رودس رجلا مشهورا يدعى : سانتورلو أوغلو. كان يأتي أحيانا لرؤية أخي أروج، ويتفقد أحواله. قال له أخي يوما :
- "إن فرسان رودس لن يبيعوني لأخي خضر، لكنهم ربما يبيعونني لك. فإن هرّبتني من الجزيرة، فإنني سوف أؤدي لك ديْنك في المستقبل".
سانترلوأغلو:
- "بكل سرور، إذا باعوك فإنني سأشتريك، لكني إذا طلبت منهم ذلك مباشرة فإنهم سيشتبهون في الأمر. والأفضل أنك عندما تنزل إلى المدينة ذات يوم تظاهر بمرورك على دكاني، ولكن إيّاك أن تنظر إلى الدكان مباشرة لئلا يعلموا بأني أعرفك. سأتظاهر بأني أراك صدفة عندما تكون مارا، وأعبّر لهم عن إعجابي بك، وأرجو الفرسان أن يبيعوك لي ".
عندما سمع أروج هذه الكلمات سُرّ كما لو صار طليقا. كم كانت حياة الأسر أليمة بالنسبة له.
في أحد الأيام، كان سانتورلو أغلو جالسا أمام الدكان يتبادل أطراف الحديث مع فرسان جزيرة رودس، وإذا به يرى أروج رئيس مارّا أمام الدكان، كأنه يريد الذهاب إلى الخدمة. فقال لمن معه من البحارة :
- "لمن هذا الأسير الذي يغدو ويروح. أراه دائما يمرّ من هنا يخدم بحيوية ونشاط. لو يقبل صاحبه بيعه لاشتريته ". عندئذ قال أحد القباطنة :
- "أنا صاحبه، إذا تريد شراءه أبيعه لك ؟ ".
- "كم تريد ؟ ".
- " أرد ألفا من الذهب ".
- " هذا مبلغ كبير ".
- " حسنا، أتركه لك بثمانمائة ".
وقبل أن تتم عملية البيع، أُلغيت الصفقة. فقد علم الفرسان بأن أروج تاجر معروف. وقالوا :
- " إن أخاه خضر رئيس في بودروم، وهو مستعد لدفع 10.000 ذهبا. وإذا كانت قيمته تساوي :10.000 هل يمكن أن يباع ب: 800 ؟ ".
أعادوا لسانتورلو أوغلو ماله، واستعادوا أروج. لقد علموا قيمته الحقيقية من كريغو، الذي كان قد احتال عليَّ في ال: 18.000 التي دفعتها له، وأعلم الفرسان باستعدادي لإنقاذ أروج.
وعلى إثر هذه الحادثة، ألقى الرودسيون أروج في زنزانة تحت الأرض، لكي لا أجد أيَّ حيلة تمكنني من إنقاذه. وجعلوا يعذبونه أكثر من ذي قبل. وضعوا الأغلال في يديه ورجليه وعنقه. إلا أنهم كانوا يعطونه من الطعام ما يسدّ به الرمق.
لم يتمكن اروج من تحمّل هذا العناء كثيرا. فطلب مقابلة ضابط الزنزانة التي حُبس فيها. فأذن له في ذلك. وعندما خرج سأله الضابط :
- " لماذا جئت ؟ ".
- " ما لذي تريدونه من وراء هذا الإيذاء الذي تلحقونه بي ؟ ".
- " اعلم أيها التركي : كيف تحاول إنقاذ نفسك بدفع 800 ذهبا. إن أخاك خير الدين رئيس ينتظر إنقاذك بمال الدنيا في بودروم. فهل تظن أنه لا علم لنا بذلك ؟ أم تظن أننا حمقى ؟ ".
- " كم تريدون أن أدفع لكم، لإطلاق سراحي ؟ ".
- " وأنت، كم تدفع ؟ كم تقدر نفسك ؟ ".
- " أنا أقدّر نفسي بجميع محصول الروملي من الشعير، وجميع المصاريف اليومية التي تدفع في الأناضول، بالإضافة إلى 100.000 ذهبا، أدفعها لكم " !!!!.
- " أيها المجنون ؛ استمر في سخريتك وتهكمك. سوف ترى كيف تكون عاقبتك ".
بعد هذه المحاورة، أمر الضابط الحانق رئيس السّجّانين بمعاملة أروج أسوأ مما كان يعامله من قبل. انزعج أروج كثيرا من هذا الوضع. وفي إحدى الليالي كان يبكي، ويدعو في زنزانته وحيدا :
- " يا رب : أنت الذي تهب الفرَج للعاجزين، فأغث عبدك الضعيف بجاه حبيبك صلى الله عليه وسلم، وعجّل إنقاذي من ظلم هؤلاء الكافرين ".
قضى أروج تلك الليلة يدعو في ذِلَّةٍ وانكسار، حتى سقط في الحمأة، وغلبه النوم من شدة التعب. فرأى في منامه شيخا مشرق الوجه يقول له :
- " يا أروج : لا تحزن بسبب ما أصابك من الأذى في سبيل الله ؛ فإن خلاصك قريب ".
استيقظ أروج في غاية السرور لهذه الرؤيا، وقد تلاشت همومه، وانشرح صدره. وفي ذلك الصباح، اجتمع كل قباطنة رودس. كانوا يتحدثون عن أمر أروج.فقال أحدهم :
- " إن أعمال البحر ليست ثابتة. اليوم أروج، وغدا نحن. أرى أن الاستمرار في إيذاء هذا التركي ليس صوبا ".
وعلى هذا فقد قرروا إخراج أروج من الزنزانة، وربطه في إحدى السفن حيث صار أسيرا جذافا بها. ومع هذا فقد كان يقول :
- " إن العمل في الجذف على سطح البحر نعمة بالنسبة لمن رأى الأذى تحت الأرض. يا رب لك الحمد، فقد رأيت وجه العالم ". 


فرار أخي اروج من سفينة فرسان رودس ونجاته

في تلك الفترة كان الأمير كركود واليا على أنطاليا. وكان قد تعود على أن يشتري في كل سنة مائة من الأسرى الأتراك من فرسان جزيرة رودس، ويعتقهم في سبيل الله. فأرسل في تلك السنة حاجبه إلى رودس. فقام الرودسيون بفرز المائة أسير تركي، وتسليمهم إليه. كانت الاتفاقية تقضي بأن يحمل الأسرى في سفينة رودسية إلى سواحل أنطاليا. فقدر الله تعالى أن تختار السفينة التي كان أروج مقيدا بها لنقل الأسرى. ونظرا لقيمة أروج فإن الرودسيين لم يجعلوه ضمن المائة أسير الذين سيتم الإفراج عنهم.
كان أروج رئيس رجلا خفيف المزاج، متقنا للكثير من اللغات، لاسيما الرومية التي كان يتكلمها بشكل لا مثيل له. وكثيرا ما كان يتبادل أطراف الحديث مع القباطنة الرودسيين الذين يجيئون إلى سفينته وذات يوم قال القباطنة لأروج:
- "أيها التركي: أنت رجل حلو الحديث، خصوصا بلساننا الذي تعرفه جيدا. ما لذي وجدته في الإسلام ؟ تعال ادخل في ديننا وسوف يكون لك شأن كبير بيننا"!!
فأجابهم أروج قائلا:
- "أيها المجانين: كل شخص يروقه دينه. هل يوجد نبي أفضل من النبي محمد فأؤمن به؟".
- "إذن لتبق على حالك، وننظر كيف يخلصك نبيك من أيدينا. والآن لتستمر في الجذف".
يجب أن تحذروا من أروج
قال قسيس السفينة التي قيِّد فيها أروج للقباطنة محذرًا:
- "يجب أن تحذروا مما يقوله أروج، فلا تتحدثوا معه كثيرا. إنه يبدوا متعلما، ويعرف عن الإسلام أكثر مما أعرف عن المسيحية.. إياكم أن تغفلوا، فهو ملحد قادر على إضلالكم جميعا".
رست السفينة الرودسية في مكان موحش قريب من أنطاليا. حيث أُنزل حاجب الأمير كركود، ومعه المائة أسير، فُتركوا هناك. وفي تلك الليلة كانت تهبُّ ريح معاكسة، قرر الرودسيون بسببها انتظار الصباح. ثم قاموا بإنزال قارب السفينة والمضيِّ لصيد السمك. في هذه الأثناء هبَّت عاصفة شديدة لم يتمكن القارب بسببها من الدنوِّ من السفينة. فرسى في مكان بعيد من الساحل. انتهز أروج هذه الفرصة التي لم يكن فيها أحد يستطيع أن يرى فيها الآخر من شدّة الظلام الذي كان مُخيِّما على المكان. فحلَّ قيوده، وألقى بنفسه في البحر قائلا: "بسم الله الرحمن الرحيم". وراح يسبح حتى وصل إلى الساحل بسلام.
سجد شكرا لله، ثم سار حتى وصل إلى قرية تركية. وبينما هو يلتفت يمينا وشمالا باحثا عن شيء يستدل به على مكان وجوده إذا به يجد أمامه عجوزا تركية تقول له:
- "تبدوا كأنك قد جئت من طريق بعيد يا بنيَّ. تعال انزل عندي ضيفا في هذه الليلة".
أخذت العجوز أروج رئيس إلى بيتها، وأحضرت له الطعام، فأطعمته، وسقته، وغيرت له ملابسه. وأمضى عشرة أيام في تلك القرية التي كان أهلها يختصمون على استضافته في كل ليلة.
وأما الرودسيون فإنهم عندما حلَّ الصباح، وجدوا مكان أروج خاليا. فأدركوا أنه قد فرَّ. وعندما يئسوا من العثور على أروج راحوا يتساءلون في حيرة وقلق: "بأي وجه سنعود إلى رودس؟"
رجعوا إلى رودس والحسرة تأكل قلوبهم.وأما قسيس السفينة فقد أعلمهم بأن: "معرفة أروج بالسحر هي التي مكنته من الفرار".
ودَّع أروج العجوز، وغادر القرية. كان يريد الذهاب إلى ميديللي. فوصل إلى أنطاليا خلال ثلاثة أيام. حيث كان هناك رجل مشهور يدعى علي رئيس، يملك سفينة من نوع "قليون". يشتغل بالتجارة بين الإسكندرية و أنطاليا. وقد بلغته شهرة أروج رئيس.رحب بأروج قائلا:
- "أهلا وسهلا بك يا بني، إن السفينة ليست لي، بل هي سفينتك". وبهذا صار أروج قبطانا ثانيا لسفينة علي رئيس.
في هذه الأثناء، يئست من الانتظار في بودروم، فرجعت إلى ميديللي. وعندما وصل أخي إلى الإسكندرية بعث من هناك رسالة إلى ميديللي شرح فيها مغامرته. سررت كثيرا بنجاة أخي، وخلاصه من الأسر.

أخي يدخل في خدمة سلطان مصر

سمع سلطان مصر بشهرة أخي، فاستدعاه إليه. وعندما مثُل بين يديه، عرض عليه الدخول في خدمته. ذلك لأن السلطان كان يريد أن يبعث بأسطول إلى نواحي الهند. وإذ وافق أروج على عرض السلطان فإن هذا الأخير قد عينه قائدا للأسطول.
كتب السلطان مرسوما ملكيا إلى والي أضنة يأمره فيه بأن يرسل إلى ميناء باياس بخليج الإسكندرون ما يكفي لصناعة 40 قطعة بحرية من الأخشاب. أعدّ والي أضنة الأخشاب المطلوبة، وأرسلها إلى ميناء باياس. ولم يلبث أروج رئيس أن خرج في 16 سفينة إلى باياس لأخذ الأخشاب ثم يتجه بعدها إلى مصر.
علم الرودسيون بأن أروج قد صار قائدا لأسطول سلطان مصر فراحوا يترقّبون الفرصة للقضاء عليه. وعندما بلغهم مجيئه إلى باياس قاموا بالإغارة عليه بأسطول كبير.
أدرك أروج رئيس خطورة موقفه فقام بإخراج جميع سفنه إلى البر، وانسحب ببحارته إلى الداخل. حيث صرفهم بلدانهم، بينما جاء هو إلى أنطاليا. وهناك أمر بصناعة سفينة ذات 18 مقعدا، أغار بها على سواحل رودس، ولم يعط الكافرين فرصة التقاط أنفاسهم.
قال الأستاذ الأعظم:
- "لقد ظهر قرصان يدعى أروج رئيس، يملك سفينة ذات 18 مقعد. لا يكاد ينجو منه أحد. إنه يقوم بالاستيلاء على أموالنا، وإحراق بلادنا. وكثيرا ما يأسر أطفالنا ويأخذهم إلى طرابلس الشام حيث يبيعهم في أسواقها، حتى صرنا لا نقدر على ركوب البحر خوفا من شره. لقد كنت قلت لكم بأن لا تخرجوا هذا التركي من الزنزانة من تحت الأرض. لكن لم تسمعوا قولي، فأخرجتموه، وجعلتموه جذافا في السفينة. والآن اذهبوا وتخلصوا منه بسرعة.
انطلق الرودسيون خلف أروج في خمس أو ست قطع بحرية، وراحوا يبحثون عنه في كل مكان. وأخيرا أغاروا على أحد الموانئ، فأحرقوا سفينة أخي أروج، إلا أنه تمكن من النجاة مع بحارته، وعاد إلى أنطاليا.
أُخِذت سفينة أروج إلى ميناء رودس، وشُهِّر به على رؤوس الخلائق. لكن عدم تمكن الفرسان من أسر أروج واقتياده إلى رودس أثار سخط الأستاذ الأعظم الذي صرخ فيهم قائلا:
- "السفينة لأروج، لكنه ليس موجودا فيها"!!
في الوقت الذي رجع فيه أروج إلى أنطاليا كان الأمير كركود ابن السلطان بايزيد الثاني قد غادر (تكة) أنطاليا، إلى (سار وخان) مانيسا التي عُيِّن واليا عليها. وكان للأمير كركوت خازن يقال له: "بيالة باي". وهذا الأخير كان أروج قد أهدى إليه غلاما إفرنجيا ؛ كما كانت تربطهما صداقة حميمة. وعندما وقع أروج في هذه الظروف الصعبة وبقي بدون سفينة، قام بيالة باي بعرض وضعيته على سيده الأمير كركوت فقال له:
- "إن أروج رئيس، عبد من عبيدكم المجاهدين، وهو يقوم بمجاهدة الكفار ليلا ونهارا. فحقق انتصارات كبيرة عليهم. والآن - وقد فقد سفينته - فهو يحتاج إلى أن تتفضلوا عليه بسفينة يغزو عليها".
كان الأمير كركوت قد بلغته شهرته أروج، فقبل تحقيق رغبته بسرور. فدعا أروج للمثول بين يديه. وعندما جاءه احتفى به، وأكرمه، وقال له مُسَلِّيًا:
- "لا تأس، فإني لن أتركك بدون سفينة". ثم لم يلبث أن كتب أمرا إلى قاضي إزمير كتابا قال له فيه:
- "إذا جاءك كتابي هذا، فعليك أن تأمر بصنع سفينة من نوع (قاليتة) دون تأخير، وذلك حسب رغبة ولدي أروج، حتى يتمكن من مجاهدة الكفار عليها والانتقام منهم". كما قام بيالة باي بكتابة أمر إلى أمير الجمارك بإزمير جاء فيه:
- "إن أروج أخونا في الدنيا والآخرة. فلا تحرمه من عونك. عليك أن تأمر بصنع سفينة ذات 22 مقعدا، وأن تقوم بالإشراف عليها بنفسك. كما يجب عليك أن تقوم بتسليمها إلى أروج في أقرب وقت ممكن. وأن تكتب جميع مصاريف تجهيز السفينة في حساب سيدي الأمير كركوت".
جاء أروج إلى إزمير، فسُلمت له السفينتان في الموعد المحدد: إحداهما تلك التي كان قد أهداها له الأمير كركوت، وأما الثانية فكانت ملكا لبيالة باي، وقد وضعت تحت تصرف أروج.
قام أروج بتجهيز السفينتين، وجمع بحارته وانطلق بهم إلى (فوجا). كانت سفينة أروج ذات 24 مقعدا، وأما سفينة بيالة باي فقد كانت ذات 22 مقعدا. لقد تم صنع هاتين السفينتين خلال ثلاثة أشهر ونصف.
رست السفينتان في ميناء (فوجا). فتوجه أروج رئيس من هناك إلى (مانيسا)، حيث نزل في قصر بيالة باي، فمكث هناك ثلاثة أيام ضيفا. وبعد ثلاثة أيام مثُل بين يدي الأمير كركوت، فقبَّل يده. أثنى عليه الأمير ودعا له قائلا:
- "أسأل الله أن ينصرك في جميع غزواتك".
ودّع أروج الأمير كركوت و بيالة باي في مانيسا، ثم عاد إلى (فوجا). فأمضى تلك الليلة مستغرقا في الدعاء والعبادة. وفي الصباح الباكر من اليوم التالي أقلع بسفنه. فلقي بعد عدة أيام سفينتين من سفن البندقية في عرض البحر، فاستولى عليهما. فإذا بهما محملتان بـ: 24.000 قطعة ذهبية. فأخذت هذه الأموال وغيرها غنيمة. لقد استغنى البحارة بذلك كثيرا. كيف لا يستغنون، وقد حازوا دعاء ابن عثمان الأمير كركوت. إن من فاز بدعاء السلطان تكون عاقبته خيرا، ومن دعا عليه السلطان فإنه يظل يتخبط من كارثة إلى أخرى.
خاض أروج هذه المعركة في سواحل بوليا، ومن هناك توجه إلى سواحل الروم، فصادف في عرض مياه جزيرة (أغريبوز) ثلاث سفن بندقية أخرى. عندما رأى كفار البندقية سفن أروج رئيس، شرعوا في إطلاق قذائفهم عليه. قام أروج بتشجيع بحارته على الصمود. فاقتربوا من السفن البندقية التي كانت قد حولت البحر إلى جحيم بقذائف مدافعها.
اقتربت السفن من بعضها البعض، فقفز البحارة إلى سفن الكفار، واستولوا عليها، بعدما أخذوا 285 أسير، وقتلوا 120 بندقيا.
نقلت الأموال التي كانت في السفن البندقية إلى سفن أروج رئيس. كانت السفن تبدو السلحفاة من ثقل الغنائم التي كانت تحملها. إذ لم تعد قادرة على الحركة. فأتوا إلى ميديللي في احتفال كبير.استقبلت أنا وأخي إسحاق أروج في الميناء رفقة جميع أقاربنا. قبَّلنا بعضنا وتعانقنا بحرارة وشوق كبيرين. ذلك لأنه كانت قد مضت سنوات طويلة على مغادرة أروج رئيس لميديللي.
قرر أخي مغادرة ميديللي إلى إزمير لمقابلة ولي نعمته الأمير كركوت و أخيه بيالة باي. لكن في هذه الأثناء وصل خبر جلوس السلطان سليم خان على عرش السلطنة، ومعاداته لأخيه الأمير كركوت الذي فر من شدة الخوف. حزن أخي أروج كثيرا لهذا الخبر، فقال له أخي الأكبر إسحاق:
- "يجب أن تذهب من هنا وتقضي هذا الشتاء في الإسكندرية، ثم ننظر ما الذي يحدث؟ إن السفينة التي لديك من إحسان الأمير كركوت، فقد يصيبك من ذلك ضرر".
وقبل أن يبقى لأخي أروج وقت لإطفاء حرارة الشوق ودّع كل منا الآخر وغادر ميديللي. فاستولى في سواحل جزيرة كربة Kerpe على سبع سفن للعدو ومضى إلى الإسكندرية. عندما وصل إلى هناك علم السلطان بوصوله مع يحيى رئيس بسبع قطع بحرية من الغنائم. كان أروج رئيس في غاية الحرج من سلطان مصر بسبب فقدانه السفن التي منحها له. وذلك عندما استولى عليها الرودسيون حينما أغاروا عليه في باياس Payas. ولكي يفوز بعفو السلطان فقد خص هذا الأخيرَ بقطع بحرية عظيمة من أموال الغنائم، كما اختار أربع جواري، وأربعة غلمان، وقدمها له. سُرّ السلطان بذلك كثيرا، وأحسن ضيافته هو ورفاقه. ثم قال له:
- "إن الله عفوٌّ يحب العفو. وقد عفوت عنك يا قبطان أروج. حقيقة لقد تركت 16 مركبا تحترق، لكنك لم تدع أحدا من البحارة الذين كانوا فيها يُصابون بأذى، فأنقذتهم جميعا. ولم تترك أحدا منهم يقع في الأسر. فأنا لم آسف لاحتراق سفني، إذ الأيام دول، وكل شيء يمكن أن يحدث. وإنما أسفت لعدم مجيئك إليَّ. لقد عفوت عنك، وأشكرك إذ أخذت بخاطري من جديد". قال ذلك، وبالغ في إكرام أخي، وكافأه بأكثر من الهدايا التي أتحفه بها.
استأذن أخي، وعاد من القاهرة إلى الإسكندرية. وكان السلطان قد كتب أمرا ملكيا إلى واليه بالإسكندرية يأمره فيه بإكرام أخي ورفاقه، فقام الوالي بإكرامهم وحسن ضيافتهم. وقضى أخي هناك وقتا ممتعا.
حل الربيع، فكتب أخي إلى السلطان يستأذنه في الخروج للغزو، فأذن له بذلك. فركب البحر متوجها إلى سواحل قبرص حيث استولى على خمس مراكب بندقية Venedik. ومن هناك توجه نحو الغرب فوصل إلى جزيرة جربة بتونس حيث باع غنائمه لتجار الجزيرة. فكان نصيب كل بحار 25 ذراعا من جوخ البندقية، و4 بنادق، و4 مسدسات، و 171.5 قطعة ذهبية.
وجد أروج سفينة ذاهبة إلى الإسكندرية، فبعث فيها إلى سلطان مصر أغلى أنواع الجوخ، والبنادق، والمسدسات، بالإضافة إلى غلام في الثالثة أو الرابعة عشر من عمره. فقال السلطان لما وصلته هذه الهدايا:
- "إذا كان في هذه الدنيا من يرعى حق النعمة، ويعرف الفضل لأهله، فهو ولدي القبطان أروج".
وهكذا دعا لأخي كثيرا، وتوثقت أواصر المودة بينهما. واستمر أخي في اقتناص سفن الأعداء في سواحل جربة، إذ استولى على 5 أو 10 سفن أخرى.


ظننت أن العالم كله صار ملكا لي

تعالوا نتعرف على أوضاع البلاد : عندما جلس السلطان سليم خان على العرش ، وقع خلاف بينه وبين أخيه الأمير قورقود، فأرسل إليه السلطان سليم جيشا، فلم يدع مكانا لم يبحث عنه فيه، إلا أنه لم يتمكن من العثور عليه. في ذلك الوقت كان القبطان باشا إسكندر باشا. كان رجلا في غاية الجور والظلم.
لم يكن يأذن لأحد بركوب البحر ولو على قارب صغير ذي مجدافين .وكثيرا ما قام بإيذاء البحارة بدعوى أنهم من رجال الأمير قورقود . عندما بلغني ذلك قررت مغادرة ميديللي ، فحمّلت سفينة قمح ، ثم مضيت بسرعة إلى طرابلس الشام ، حيث استبدلت القمح بالشعير ، ثم ذهبت إلى بروزة حيث بعت شعيري ، واشتريت بعض الأفراس ، والبغال . ثم رسوت في جزيرة أياماوري المقابلة لبروزة . فرأيت سفينة ذات 24 مقعدا راسية في الميناء . أعجبت بها كثيرا ، فسألت عن صاحبها فقيل لي بأنها لقبطان تركي يدعى : القبطان فتاح . كان القبطان فتاح قد توفي قريبا ، فأرسل ورثته السفينة إلى هناك لبيعها .لقد أُغرمت كثيرا بهذه السفينـة ، وكنت مستعدا لدفع أي مبلغ يريده أصحابها . وفي النهاية اتفقت معهم على ستة أكياس من الفضـة . وعندما اشتريت السفينة خيل إليَّ وكأن العالم كله قد صار ملكا لي . ركبت سفينتي ، وأخذت بقية القطع . فجُبت البحر المتوسط طولا وعرضا . إلى أن أتيت جزيرة جربة . فالتقيت بأخي أروج هناك . وبينما نحن نفكر إلى أين نذهب ، حتى قررنا التوجه إلى تونس .وقلنا : " ما دام الموت هو نهاية كل حي ، فليكن في الغزو في سبيل الله " .
كنت أنا وأخي ، ويحيى رئيس . ركب كل منا سفينة ، وأتينا تونس فدخلنا على السلطان ، و قدمنا له الهدايا ، ثم قلنا له :
-" نريد أن تتفضل علينا بمكان نحمي فيه سفننا . ونحن نقوم بالجهاد في سبيل الله . والغنائم التي نغنمها سوف نبيعها في أسواق تونس ، فيستفيد المسلمون . وتنتعش التجارة . كما نعطيك 1/8 من الغنائم التي نحصل عليها ".
سلطان تونس : - " إن ما تقولونه منطقي جدا . " أهلا وسهلا بكم ، البلد بلدكم " .

بارك الله في غزوكم

منحنا السلطان ميناء حلق الوادي ، فقضينا الشتاء هناك . وعندما حل الربيع ركبنا البحر . بخمس قطع بحرية . كانت سفينتي أسرعها .فبلغنا جزيرة سردونيا ، وهناك استولينا على سفينة أحد القراصنة . كان فيها 150 أسيرا.
وفي هذه الأثناء بدت لنا في الأفق والعياذ بالله . كان ذراعي الأيمن دلي محمد قبطانا لإحدى السفن كأنها جبل كشيش سفننا ، كان شابا شجاعا ، قال لي:
- " سيدي القبطان ، أرجو أن تأذن لي في الذهاب لأستولي على تلك السفينة " .
ولكي آخذ بخاطر دلي محمد فقد أذنت له بأن يمضي ليستولي عليها . كانت سفينته تبدو صغيرة جدا أمام سفينة العدو وكأنها غلاف حبة البندق . أما نحن فقد تعقبنا سفينة دلي محمد ، وعندما حاذينا السفينة . لم نجد بها أحدا . لقد ركبوا قواربهم وفروا عندما رأوا سفننا . صعدنا إلى السفينة ، كانت مشحونة قمحا . سلمنا على دلي محمد وقلنا له :
- " غزو مبارك " .
وفي الصباح التالي ، استولينا على سفينتين أخريين . إحداهما كانت محملة بالعسل ، والزيتون ، والجبن . أما الأخرى فقد كانت سفينة جنوية محملة بالحديد .
وصلنا إلى تونس على أصوات طلقات المدافع ، مثقلين بغنائم كالجبال . أخذ جميع الغزاة قدر ما يريدون من الغنائم . كما قمنا بفرز حصة السلطان ، وتصدقنا بمال كثير على الفقراء ، فنلنا منهم كثيرا من الدعاء.

بدأ الكفار يهابوننا

أمضينا الشتاء في تونس أيضا ، وعندما حل الربيع خرجنا للغزو . وصلنا خلال ثلاثة عشر يوما إلى ميناء أنابولي بجزيرة مورة . فصادفنا مركبا كبيرا متوجها إلى إسبانيا . كان فيه ما بين 300 إلى 400 مقاتل .رفعنا راياتنا الذهبية وشرعنا في قصفهم . حاولنا سبع مرات الاقتراب من المركب ، وفي المرة السابعة تمكنا من محاذاتـه . فجرت معركة كبيرة تمكنا على إثرها من الاستيلاء عليه . سقط 150 شهيدا من رفاقنا ، وجرح 86 منهم . و تبين لنا أنه كان في السفينة 525 شخصا ، أسرنا منهم 183 ، وأما الآخرون فقد كانوا قد قتلوا . كان من بينهم واليا لإحدى المقاطعات الكبيرة بإسبانيا . استولينا على سفينة أخرى ثم رجعنا إلى تونـس .كان أخي أروج قد جرح ، فتمت معالجته في تونس .كان من بين الغنائم التي حصلنا عليها : 70 إلى 80 ببـغاء ، و 20 بازيا. قمنا بإهدائها إلى سلطان تونس . بعد هذه الغزوة شاع أمرنا في كل ممالك الكفر . فاتفقوا على القضاء علينا قائلين :
- "لقد ظهر تركيان اسمهما : أروج ، وخير الدين خضر . يجب أن نسحق هاتين الحيتين قبل أن تتحولا إلى تنين . علينا أن نمحو اسمهما من على وجه الأرض . والآن إذا أتحنا لهما الفرصة فإنهما سوف يسببان لنا متاعب كثيرة .
وهكذا أعد الكفار عشر قطع إعدادا جيدا لإلقاء القبض علينا. لكننا كنا قد ركبنا البحر بحرية من نوع قادرغة قبل وصولهم . كنا نريد التوجه إلى جنوة ، إلا أنه بسبب مخالفة الرياح توجهنا إلى سواحل الجزائر . فرسونا أمام قلعة تدعى : "بجاية" . وأما السفن الإسبانية ، فإنها عندما لم تعثر علينا في سواحل جنوة ، فقد توجهت إلى بجاية . كان الاشتباك معها على الساحل فيه خطورة كبيرة ، ولذلك فقد ركبنا البحر بسرعة . ظنت السفن الكافرة أننا فررنا منها ، فانطلقت خلفنا . وعندما ابتعدنا عن الساحل بمسافة كافية ، أمرنا أخي أروج بالعودة والاقتراب من السفن الكافرة . دهش الكفار لهذه المناورة التي لم تكن متوقعة ، فجرت معركة كبيرة . أسرعنا إلى سفينة القيادة . وما إن استولينا عليها مع ثلاث سفن أخرى ، حتى لاذت السفن الباقية بالفرار نحو بجاية محتمية بقلعتها . أراد أخي أروج أن يدخل تحت القلعة ليستولي على السفن . كنت أريد منعـه ، لأن وضعه كان خطيرا جدا .كان الأحوط أن نأخذ السفن الأربعة ، ونرجع إلى تونس ، ونترك السفن الستة الباقية لحالها

أربع سفن صارت أربعة عشر

لم يستمع أخي لقولي ، بل أعطى أوامره بالشروع في الهجوم . كانت قلعة بجاية تعج بالجنود الإسبان ، وفضلا على ذلك فقد قام الجنود الإسبان بإفراغ السفن والالتحاق برفاقهم في القلعة . شرع أخي في الإغارة على القلعة التي كانت تمطر علينا وابلا من قذائف المدفعية والقنابل . فقدنا 60 شهيدا ، وعددا كبيرا من الجرحى .
كان بإمكاننا أن نستولي على القلعة، لكن في اللحظة التي اشتد فيها لهيب المعركة أصيب أخي بقذيفة في ذراعه الأيسر. وعندما رأى الإسبان ذلك فتحوا أبواب القلعة وقاموا بمهاجمتنا . حزنت كثيرا لأخي الذي كان قد جرح جراحا بليغة . وبسبب حنقي على الإسبان قمت بهجوم عنيف عليهم مع 300-400 مقاتل من رجالي وأعملنا فيهم السيف ، وتمادينا في تعقبهم حتى دفعناهم إلى أبواب القلعة . فتمكنت من قتل 300 منهم ، وأسر 150 إسباني .
لم يكن من المناسب المكوث طويلا أمام القلعة . أما أخي فقد كان قد فقد وعيه من شدة ما كان يعانيه من جراحه . جمعت جنودي وأمرتهم بركوب السفن ، بينما استمر الكفار في قصفنا . إلا أنهم لم يتمكنوا من إصابة أي أحد منها بفضل الله وعنايته . رجعنا إلى تونس بأربعة عشر قطعة بحرية .
قام الجراحون بتنظيف جراح أخي أروج ، إلا أن آلامه كانت تتضاعف من يوم لآخر . فاجتمع الجراحون ، وقالوا : - " إذا لم تُقطع ذراع أخيك فإن حاله ستكون أكثر خطورة ، و عندئذ لن نكون مسؤولين عــــن ذلك " .
أما أهالي تونس فإنهم فرحوا كثيرا عندما رأونا قد رجعنا بأربعة عشر سفينة بعدما خرجنا في أربع سفن فـقط ، لكنهم عندما علموا بإصابة أخي أروج أجهشوا بالبكاء حزنا عليه . قلت للجراحين : " من يقوم بإنقاذ ذراع أروج ، فإني سأكافؤه بوزنه ذهبا ، وأهب له عشرة أسرى ، يختارهم من أيهم شاء " .

قطع ذراع أخي أروج

اجتمع الجراحون مرة أخرى للتشاور ، فلم يتوصلوا إلى حل آخر غير قطع ذراع أخي . فأذنت لهم بـذلك . فقاموا بقطعها ومعالجة جراح أخي . كنت أبكي بحرقة كبيرة . فقال لي : - " لماذا تبكي ؟ هذا قضاء الله وقدره . إني أحمد الله على أني فقدت ذراعي في الغزو .تكفيني هذه النعــمة " .
استعاد أخي عافيته في ذلك الشتاء . وعندما حل الربيع ، وانتعشت النفوس خرجنا في ثمانية قطع بحرية للغزو . فوصلنا إلى سواحل الأندلس حيث كانت المدينة الإسلامية غرناطة قد سقطت قريبا بيد الإسبان . كان الإسبان يقومون بمظالم كبيرة في حق المسلمين الذين كان الكثير منهم يعبدون الله سرا في مساجد سرية قاموا ببنائها تحت الأرض ، لأن الإسبان قاموا بهدم وإحراق جميع المساجد . وصاروا كلما عثروا على مسلم صائم ، أو قائم إلا وعرضوه وأولاده للعذاب والإحراق . فقمنا بملء عدد كبير من السفن بالمسلمين وإنقاذهم من أيدي الكفار ، ونقلهم إلى الجزائر وتونس .
وعندما كنا في سواحل المرية لاحت لنا سبع سفن كافرة ، فلحقنا بأحدها واستولينا عليها ، وبسبب مخالفة اتجاه الريح لم نتمكن من إدراك السفن الأخرى . كانت السفينة التي استولينا عليها سفينة هولندية محملة ببضاعة قد جلبت من الهند . فجئنا من هناك إلى جزيرة مينورقة حيث دخلنا إلى خليج صغير . كان قد مضى على خروجنا من تونس خمسون أو ستون يوما . دخلنا جزيرة مينورقة ، وتوغلنا إلى داخلها فصادفنا ما يقارب 200 مقاتل مدجج بالسلاح جالسين على ضفاف أحد الأنهار . كانوا يشوون خروفا ، ويعاقرون الخمر ، وقد غاب أكثرهم عن وعيه . قمنا بقتل 70- 80 كافر منهم ، واستولينا على خمس أو ست قطعان من الغنـــم . وأُحضر قائدهم إلي ، فسألته عن وجهتهم التي كانوا يقصدونها فقال :
- " سيدي ، لقد علمنا برسوِّكم في مينورقة ، وقد توجهت إليكم عشر سفن إسبانية من نوع قادرغة . كان من المقرر أنها عندما تقوم بمهاجمتكم ، نقوم نحن بالإغارة عليكم من البر " . فلما علمت ذلك قمت بتوثيق الأسرى وتفريقهم على السفن مثنى مثنى . ثم انطلقنا من مينورقة متجهين إلى جنوة . استولينا على أربع قطع بحرية صادفناها في طريقنا . شاع أمرنا في جميع أنحاء المدن الكافرة ، وصرنا أسطورة في نظرهم .
وبعد غزو كورسيكا توجهت مع أخي إلى جزيرة ميديللي . كان لدينا سبع قطع بحرية . " حب الوطن من الإيمان " مثل عربي صحيح . عندما قابلنا أهلنا شعرنا بانتعاش قلوبنا وأرواحنا ، حيث جاءنا جميع أقاربنا وأصدقائنا سائلين عن أحوالنا . أقمنا وليمة استمرت سبعة أيام وسبع ليالي أطعمنا خلالها جميع فقراء الجزيرة ، وختّنا فيها الأطفال غير المختونين ، وزوجنا فيها العذارى اللاتي لم يكن لهن أزواج ، ولكي ندخل السرور على قلوبهن نظمنا لهن احتفالات كبيرة . وخِطنا لهن أثوابا جديدة . أدخلنا السرور على الأرامل ، والعجزة ، والمعاقين ، وأدخلنا السرور على قلب كل منهم . كما امتلأت جيوب جنودنا البحارة بالذهب . حتى صاروا يشترون البضاعة التي سعرها أقجة واحدة بخمس أقجات ، وذلك لكي يتمكن تجار النواحي البعيدة من الربح ، فيفوزوا ببركة بدعائهم . لقد قام أهالي ميديللي بإكرامنا والاعتناء بنا . كانوا يحملون إلينا الطعام والفاكهة راجين منا قبولها .

حبنا للبحر فوق كل حب

كنا نريد أن نقضي الشتاء في الجزيرة. قمنا بإكرام جميع أقاربنا من مال الغنائم ، وخصصنا أخانا الأكبر إسحاق بمقدار كبير من مال وذهب البندقية ، وحُزنا على دعائه المبارك . إلا أنه عندما رأى ذراع أخي أروج المبتورة حزن على ذلك حزنا شديدا .
أراد أخي أروج ذات مرة أن يتزوج ويستقر في ميديللي ، لكنه لم يلبث أن تخلى عن هذه الفكرة ، لأن حبه للبحر كان يفوق كل حب . بل لم يكن يعدل به أي شيء آخر .. وذات صباح قال لنا :
- " لقد رأيت في الليلة الماضية رؤيا صالحة . رأيت ذلك الشيخ ذا اللحية البيضاء الذي بشرني بالنجاة عندما كنت أسيرا في رودوس يقول لي : يا أروج توجه إلى الغرب .. إن الله قد كتب لك هناك كثيرا من الغزو ، والعِزِّ والشرف .." .
كانت السفن تصل إلى ميديللي . إذ كان القباطنة يشترون الأسرى لاستخدامهم في الجدف . قلت ذات يوم لهؤلاء القباطنة :
- " لدي 827 جدافا زائدا أبيعهم لكم . وعلى هذا النحو بعت هؤلاء الجدافين للتجار القباطنة العثمانيـين . كان بعضهم يقدر ب: 500 ذهبا ، وبعضهم ب: 300 ، بينما كان بعضهم أقل من ذلك . دفعت الرسوم الجمركية المتعلقة بالأسرى الذين قمت ببيعهم ، وبعثت إلى رؤساء الميناء حقوقهم ، كما أني تبرعت للأوقاف الإسلامية .
وهكذا أنفقت نصف ما كسبته من النقود . وأما ما بقي منها فقد اقتسمته مع أخي أروج . لم نكن نحب الاحتفاظ بالمال ، ولذلك فقد أنفقنا جميع ما ربحناه على تجهيز سفننا بشكل جيد . والذي بقي قاسمناه بحارتـنا ؛ فكان نصيب كل منهم 90 نقدا ذهبيا ، وأما الرؤساء فقد أصاب كل منهم 195 .
لم يكن البحارة ينفقون على طعامهم وشرابهم من جيوبهم. فقد كانت لكل سفينة مطبخها الخاص . كما كان اللحم يقدم للبحارة مرتين في الأسبوع ، إلا أنهم كثيرا ما كانوا ينفقون على طعامهم من جيوبهم ، لأن الطعام الذي يقدم لهم في السفن لم يكن يروقهم كثيرا . عندما حل فصل الشتاء أذنت للبحارة بقضاء الشتاء بين أهليهم ممن كانوا يقيمون قريبا من الأناضول والروملي . أما من كان أهله في أماكن بعيدة فقد أمضى الشتاء معنا في ميديللي .
في هذا الشتاء طلبت من مصنع بناء السفن بميديللي إعداد ثلاث سفن . إحداها ذات 25 مجداف ، والأخريين ذات 24 مجداف . وهكذا صار لدينا بحلول الربيع عشر قطع بحرية . وبعد أن جهزنا سفننا الجديدة تجهيزا جيدا ، ركبت أنا إحدى السفن الجديدة بينما ركب أخي أورج في سفينة أخـرى .
عندما اقترب فصل الربيع بدأت أفواج الشباب الشجعان ممن كانت بلغتهم شهرتنا تصل من الأناضول والروملي إلى جزيرة ميديللي ، راجين قبولهم كبحارة معنا. فقبلنا من توسمنا فيه الشجاعة والإقدام منهم . قبَّلنا يد أخينا الأكبر إسحاق ، وودعنا أقاربنا وأحباءنا ثم ركبنا البحر في ساعة مباركة من ذلك الفصل .

الفقراء يترقبون طريقنا

في طريقنا استولينا على 15- 16 قطعة بحرية . احتفظنا بالمراكب الجيدة منها ، وأما تلك التي كانت سيئة فقد قمنا بإغراقها . كانت خمس سفن من التي غنمناها محملة بالقمح ، واثنتان منها محملة بزيت الزيتـون ، بينما كانت واحدة منها محملة بالعاج . وأما بقية السفن الأخرى فقد كانت محملة بأموال وبضائع مختلفة . و بلغ مجموع الأسرى 479 امرأة ، وعددا لا يحصى من الرجال.
بعد أن مضى على مغادرتنا لميديللي 29 يوما ، دخلنا ميناء حلق الوادي بتونس بسبعة قطعة بحرية . فوجدنا الميناء مزدحما بالأهالي الذين جاءوا للتفرج علينا . فسلمنا عليهم بطلقات المدفعية .
لقد بلغ حب الأهالي لنا أنهم كانوا قلقين من عدم عودتنا مرة أخرى إلى تونس ، وبخاصة الفقراء منهم الذين كانوا ينتظرون رجوعنا بلهفة وترقب . قمنا بتوزيع القـمح مجـانا عـلى الفـقــراء و المحتاجـين ، وأما بقية الغنائم فقد قمنا ببيعها . كما بعثنا إلى سلطان تونس حصته التي كانت تتكون من 5.000 دوقة بندقية ، وجاريتين ، وأربعة غلمان جنويين . كانت أعمار الجاريتين والغلمان تتراوح بين 15- 16 سنة . كانوا في غاية الجمال . لو بعناهم لكانت قيمتهم كبيرة جدا . أما السلطان فقد أهدى لنا خيولا فارهة مجهزة تجهيزا رائعا . ركبت أنا وأخي أروج فَرَسَيْنا ، ومضينا إلى قصر السلطان الذي استقبلنا قائلا : - " شرفتم مملكتي ، بيَّض الله وجوهكم في الدنيا والآخرة . أنتم أسيادنا " .
وعند مغادرتنا لحضرته كافأ كلا منا بحلة من الفُراء وضع إحداها على كتفي ، والأخرى على كتف أخي أروج . كما تفضل بإكرام من كان معنا من البحارة .
أمضينا الشتاء في تونس ، وعندما حل الربيع خرجنا في ساعة مباركة في 12 مركبا . فأغرنا على إحدى القلاع بجزيرة صقلية وأسرنا ما يقرب من 300 أسير ، وزعناهم على مراكبنا ليقوموا بالجـدف . كما استولى دلي محمد رئيس على إحدى السفن التجارية التي كانت راسية في الميناء . كانت محملة بالسكر . لقد أحصينا 650 زوجا من صناديق السكر . أمرت دلي محمد رئيس بأن يأخذ هذه الغنائم تونس . وفي اليوم التالي استولينا على 4 مراكب أخرى ، إثنتان منها كانت محملة بالجوخ . بينما كانت إحداها مملوءة بأعمدة شراعية كانت مرسلة إلى فرنسا . أما الرابعة فقد وجدناها مملوءة بقذائف البارود . والحاصل كانت أربع سفن من أفضل الغنائم !!.
رجعنا إلى تونس بعد 33 يوما ، استولينا خلالها على كميات كبيرة من الجوخ . حتى أننا فرشنا أرضية السفينة بالجوخ . كان نصيب كل بحار 7.5 قنطارا من السكر ، و 12 لفة من الجــوخ ، و 125 لفة من القماش .كما كانت الأعمدة الشراعية التي غنمناها مصنوعة من أجود أنواع الخـشب . كانت متينة وطويلة بحيث تصلح أن تستخدم في السفن الطويلة . قررنا إرسال هذه الأعمدة هدية إلى سلطاننا المعظم سليم خان . اخترنا 200 أسير لإرسالها مع الأعمدة المذكورة . كان من المقرر أن يتولى محي الدين بيري رئيس أخذها إلى إسطنبول . كان محي الدين ابن أخت المرحوم كمال رئيس . كان صديقا ظريفا ، عالما ، عارفا بالآداب السلطانية . غادر بيري رئيس تونس في ساعة مباركة متجها إلى إسطنبول .

نلنا دعاء السلطان فصرنا أعزة في الدارين

غادر بيري رئيس تونس في 6 قطع بحرية ، فوصل إلى إسطنبول في اليوم الحادي والعشرين من خروجه . رسى في الساحل المقابل لسراي بورنو محييا السلطان بإطلاق قذائف المدفعية . استقبل السلطان بيري رئيس ، وتفضل بقراءة رسالتي بنفسه . سر كثيرا بما قمت به أنا وأخي أروج من غزوات . بعد قراءة رسالتي رفع يديه المباركتين بالدعاء لنا ولبحارتنا :
" اللهم بيض وجهي عبديك أروج وخير الدين في الدنيا والآخرة . اللهم سدد رميتهما ، واخذل أعداءهما . وانصرهما في البر والبحر " .
هكذا نلنا دعاء السلطان فلن نُغلَبَ بعد اليوم أبدا ، لقد صرنا أعزة في الدارين . أما رفيقنا بيري رئيس فقد لقي حفاوة كبيرة من السلطان الذي أكرمه بإثنتي عشر كيس أقجة ، و ألبسه الخلعة السلطانية بنفسه. وتفضل بقبول الهدايا التي بعثنا بها إليه ، والاطلاع عليها بنفسه واحدة واحدة . وبالرغم من أنه حتى الآن لم تتجرأ أية سفينة على الاقتراب من الساحل المحاذي للقصر ؛ فإن السلطان المعظم أمر بِرُسُوِّ سفن بيري رئيس قريبا من القصر .
أمر بيري رئيس 200 أسير بحمل الهدايا المرسلة إلى السلطان على أكتافهم . واستعرضهم في طابور منتظـم . وخرج 200 بحار في ألبسة مزركشة إلى الساحل ، في استعراض عسكري أمام السطان . فكافأ سليم خان كلا منهم بخمسين قطعة ذهبية . وأمر بتأمين كل ما يلزمهم على حساب الدولة . أما محي الدين رئيس فقد خُصِّص له بيت كبير للإقامة فيه .
أمر السلطان بسحب السفن إلى مصنع السفن ، فتم دهنها وإصلاح ما عـطب مـنها و تزويدها بما تحتاج إليه من معدات . كما أمر ببناء سفينتين حربيتين ذات 27 مقعدا من نوع قادرغة . كانت إحداهما ستُهدى إليَّّ من السلطان ، والثانية إلى أخي أروج . زُيِّنت مؤخرة السفينتين بطلاء ذهبي ، أما ظهرها فقد شحن بكميات كبيرة من القذائف التي كانت تلمع لكونها قد خرجت لتوِّها من المصنع .
كما قام بيري رئيس بزيارة الوزراء ، وقدم لهم الهدايا التي بعثناها إليهم . وذات يوم استدعى السلطان سليم خان بيري رئيس . فلما مثل بين يديه سلمه سيفان قد حُلِّيت قبضتهما بالماس . كانت قيمة كل منهما تعادل خراج بلاد الروم . كما سلمه خلعتان سلطانيتان ونيشانان ، ثم قال له :
- " ليركب خير الدين إحدى السفينتين اللتين سلمتهما لك ، وليركب أروج الأخرى . وليتَحَلَّ خير الدين بإحدى النيشانَيْن وأروج بالأخرى . وأما السيفان فليتقَلَّدْ خير الدين أحدهما ، وليتقلد أروج السيف الآخر . و أعلمهما بأننا قد قبلنا هداياهما المرسلة إلى مقامنا السامي . استودعكم الله ، وأسأله أن يديم عليكم نصره المؤزر . ومهما تكن لكم من حاجة فإنه يمكنكم عرضها علينا لقضائها " .
أخذ بيري رئيس الخط الهمايوني ، وقبله ثلاثا ووضعه على رأسه . ثم سلم منحنيًا في احترام سبع مرات ، وقبل يد السلطان المباركة ، ثم ودعه وخرج في غاية السرور والسعادة .
ركب بيري رئيس إحدى السفينتين اللتين تفضل بهما السلطان سليم خان ، , وأمر بقية السفن الأخرى أن تلحق به . ثم سلم على السلطان بعد أن رسى قريبا من سراي بورنو في ثماني قطع بحرية ، في حين كان السلطان يتفرج على سفننا من قصر الساحلي . ثم غادر إسطنبول متجها إلى تونس .
في الوقت الذي كان فيه بيري رئيس في إسطنبول خرجت أنا وأخي في 10 مراكب . كان مقصدنا الذهاب إلى مضيق سبتة الذي يقع في نهاية البحر المتوسط ، على أن نمر من هناك إلى الأندلس لنقوم بإنقاذ قسم من إخواننا في الدين . في هذه الأثناء وصل وفد من مدينة بجاية الجزائرية حاملا رسالة جاء فيها :
- " إن كان ثمة مغيث فليكن منكم أيها المجاهدون الأبطال . لقد صرنا لا نستطيع أداء الصلاة ، أو تعليم أطفالنا القرآن الكريم لما نلقاه من ظلم الإسبان . فها نحن نضع فأمرنا بين أيديكم ، جعلكم الله سببا لخلاصنا بتسليمه لنا إليكم . فتفضلوا بتشريف بلدنا وعجلوا بخلاصنا من هؤلاء الكفار " .
في الوقت الذي كنا نهم فيه بالتحرك نحو بجاية ، إذا ببيري رئيس يدخل السواحل التونسية . فأخذناه بسرعة إلى سفينتنا ، وسألناه بلهفة عن أحوال إسطنبول . أما السفينة التي كان يركبها بيري رئيس فإنني بمجرد أن رأيتها حتى كدت أفقد صوابي الإعجاب بها . لقد كانت ضخامتها وروعتها توحيان بأنها مما تفضل به السلطان علينا . فامتلأ قلبي سرورا بذلك . و عندما قرأت الخط الهمايوني المبارك الذي بعث به السلطان المعظم سليم خان تضاعف أفراحي ، واغرورقت عيناي بالدموع . قبلت الخط الهمايوني سبع مرات ، ووضعته على رأسـي ، وحمدت الله كثيرا على أن جعلني في خدمة سلطان معظم كهذا . أما أخي أروج فقد غمره الفرح عندما رأى السفينة التي أنعم بها السلطان عليه . فدعا له كثيرا على تفضله عليه بهذه السفينة العظيمة .
كان السلطان سليم خان قد أرسل خطا همايونيا إلى سلطان تونس ، فحملته بنفسي وسلمته له . وبعد أن قبله سبع مرات ، وضعه على رأسه ثم فتحه فإذا فيه :
- " إلى أمير تونس . إذا وصلك كتابي هذا عليك أن تعمل به ، واحذر أن تخالفه . وإياك أن تقصر في تقديم أي عون لخادمنا : أروج وخير الدين " .
وفي احتفال كبير اجتمع أشراف تونس بحضور السلطان ، قلدني بيري رئيس سيف السلطان سليم خان . وألبسني الحلة التي أنعم بها علي . أما المشايخ فقد لهجت ألسنتهم بالدعاء للسلطان سليم خان والثناء عليه .
رأى سلطان تونس ما لقيناه من حفاوة السلطان سليم خان ، فأدرك بأن السلطان سليم خان بالرغم من أنه قد حرم أكبر السلاطين من الثناء والتقدير إلا أنه قد خصنا برعايته وإكرامه . فتغيرت معاملته لنا ، وقال لي : - " إن طريقك وطريق أخيك أروج سينتهي إلى القيادة العامة لبحرية الدولة العثمانية ، فهنـيئا لكـم بذلك " .
منذ هذه اللحظة تغير موقف السلطان منا ، وبدأ يبدي لنا خلاف ما يبطن لما كان يجده في نفسه من الحسد . لقد أدرك أننا لم نعد مجرد قراصنة بائسين مجردين من أي حماية ، بل قد صرنا في خدمة وحماية السلطان العثماني المعظم . وهكذا شرع ذلك منذ ذلك الحين في التحفظ منا والابتعاد عنا خوفا من أن نأخذ منه مملكته لحساب السلطان سليم خان .

هجوم عنيف على سفن الأعداء

في اليوم التالي ركبت أنا و أخي السفينتين اللتين وهبهما السلطان لنا . كان في كل سفينة ذات 27 مقعـدا ، 16 مدفعية . انطلقنا في 12 قطعة ، فاستولينا على سفينة محملة بالشمع ، كان على متنها 25 كافرا بينهم 40 أسيرا من إخواننا الأندلسيين . قمنا بتحريرهم جميعا وأرسلناهم مع دلي محمد رئيس في سفينة إلى تونس . كنت أحب دلي محمد رئيس الذي كان شابا شجاعا لايعرف الخوف أبدا . لو قام بمبارزة 15-20 بمفرده لانتصر عليهم .
قدمنا إلى ميناء بجاية الجزائرية ، في 2033 بحارا ، و10 قطع بحرية من نوع قدرغة ، و 150 مدفعا ، وآلاف الأسرى الذين يقومون بالجدف .
كانت قلعة بجاية في أيدي الكفار الإسبان . اشتبكنا معهم في معركة دامت ثلاث ساعات ونصف . قتل فيها أكثر الكـفار . جاء 20.000 عربيا ممن سمعوا بانتصارنا إلى بجاية . كانوا يحاولون مساعدتنا لكنهم لم يكونوا يعرفون فنون القتال جيدا . تحصنت شرذمة من الكفار بالقلعة ، واستمرت في المقاومة 29 يـوما .
كنا على وشك الاستيلاء على القلعة . إلا أن عدم امتلاكنا للمدافع التي تستعمل لقصف الحصون حال دون تمكننا من فتح ثغرة كبيرة في القلعة . بلغنا أن قوات إسبانية كبيرة تحركت من جزيرة مينورقة في طريقها إلينا . فتركنا بجاية وانسحبنا إلى جيجل ، لترصد القوات الإسبانية القادمة من مينورقة . وأخيرا لاحت لنا في الأفق 10 قطع بحرية كبيرة من نوع قدرغة . كانت مشحونة بالأسلحة و المعدات العسكرية . فقال أخـي أروج : - " هذه نعمة ساقها الله إلينا " .
هجمنا على السفن الإسبانية بمن معنا من البحارة مرددين صيحات التهليل و التكبير، واشتبكنا معها في معركة كبيرة أسفرت عن استيلائنا على السفن العشرة . ولم يبق من الجنود الإسبان على قيد الحياة سوى 78 جنديا . أخذناهم أسرى وقيدناهم للعمل في الجدف .

الحرب مع أسبانيا

نشرنا الرايات الصليبية على السفن الإسبانية العشرة ، و أمرت 500 بحار بالكُمُون فيها ، واتجهنا بها نحو بجايـة . كان الكفار الإسبان المتحصنون بقلعة بجاية ينتظرون القطع البحرية العشرة القادمة من مينورقة لإمدادهم . وعندما رأونا من بعيد حسبوا أننا إخوانهم في الدين فرفعوا قبعاتهم ملوِّحين بها في الهواء تعبيرا عن سرورهم . وهكذا دنونا من القلعة الغارقة في الفرح والسرور . فتح الكفار أبواب القلعة وتدفقوا على قصورهم الساحلية لاستقبال السفن التي جاءت لنجدتهم . وفجأة أمرت البحارة بالخروج إلى الساحل . وما إن سمع الكفار صيحات التهليل حتى اضطربت صفوفهم وولوا منهزمين . فتمكنا من فتح القلعة ، بينما راح الإسبان يصرخون بعبارة " ماينا سينيور " طالبين الأمان .
بعد فتح القلعة جاء جميع شيوخ وقواد المناطق المجاورة لبجاية مبايعين لي . ومن هنا أنتصبت أنا وأخي ملكين على هذه البلاد .
رجعت إلى جيجل لمقابلة أخي أروج . وعندما لقيته قبَّلني من عينيَّ مهنئا لي بفتح بجاية التي كانت قلعة في غاية الأهمية . استولينا على 800 برميل من البارود ، و عدد لا يحصى من الغنائم . سررنا كثيرا بالبارود بصفة خاصة ، لأن الذي كان لدينا منه قد أوشك على النفاد . ولم يعد سلطان تونس يزودنا به ، بل لاحظنا إعراضه عنا يوما بعد يوم . فقررنا أن نحل مشاكلنا بأنفسنا . ولذلك فقد كان من اللازم علينا أن نؤسس لأنفسنا دولة جديدة في غربتنا هذه .

قامت قيامة الكفار في إسبانيا عندما بلغهم فتحنا لبجاية ، فغرقوا في بحر من الهموم والأحزان . أما ملك أسبانيا كارلوس فقد أصدر أوامره بوجوب تخليص بجاية ، وإنقاذ الأسرى من الأتراك في الحال . ومن ناحية أخرى فإن أهالي الجزائر رأوا أن الأتراك قادرين على قصم ظهر الإسبان . إضافة إلى أنهم مقيمون للعدل ويخشون الله .
عندما كنت مع أخي في مدينة جيجل ، وصلت وفود عديدة من المدن الجزائرية . كان أهمها وفد مدينة الجزائر التي كانت تمثل مركز البلاد . كان أهالي الجزائر يشكون من ظلم الإسبان ، ويرجون تدخلنا لإنقاذهــم . فخرج أخي أروج في 500 بحار متجها إلى مدينة الجزائر بعد أن خلَّفنني في جيجل .
عندما كان أخي أروج رئيس في طريقه لفتح الجزائر ، غادرت جيجل متجها إلى تونس التي كان سلطانها قد جاهر بعداوته لنا . غير أنه عندما رآني مقبلا في عشرة مراكب بحرية خشي على نفسه وسلطانه فتظاهر بثنائه علينا معتذرا عن تقصيره في حقنا . فقلت له :
- " ما منعك من تزويدنا بالبارود ؟ " . أجاب قائلا :
- " لم يكن لدي علم بحاجتكم إلى البارود ، ولم يخبرني مساعدي بذلك . وقد أمرت بضرب عنقــه لذلك " . أمر السلطان حقيقة بضرب عنق مساعده ، لكن ليس لأنه لم يخبره بحاجتنا إلى البارود ، بل لسبب آخر . لم أشأن أن أفضحه بذلك ، بل تظاهرت بأني قد انخدعت بقوله . تجولت مع السلطان على ظهر فَرَسَيْنا في مدينة تونس ، ثم عدت إلى المرسى .
كان معي أخي الكبير إسحاق رئيس ، ومصلح الدين رئيـس ، وكورد أوغلو رئيس ، ودلي محمد رئيس ، وغيرهم من مشاهير البحارة . أعطيت أوامري لرؤساء البحر بالتوجه إلى الغزو في شرق البحر المتوسط ونواحي قبرص والعودة إلى الجزائر . أما أنا فقد رجعت إلى الجزائر برفقة أخي إسحاق .
توجه الرياس إلى الشرق في سبع قطع بحرية . و في طريقهم صادفوا الأسطول الهمايوني مُبحِرا بين قبرص ومصر ، فكاد البحارة يجنون من شدة الفرح بذلك . لأن الأسطول التركي كان قد غطى مياه البحر . سارع مصلح الدين رئيس إلى الاقتراب من الأسطول ، ومثل بين يدي قبطان داريا جـعفر باي . فقال قبطان داريا :
- " ألا تعلمون أن السلطان موجود في مصر ؟ ما لذي منعكم من الاشتراك مع الأسطول لهمايــوني ؟ " .
كان مصلح الدين رجلا عاقلا . فأجابه بقوله :
" سيدي القبطان : معاذ الله أن نهمل خدمة السلطان . فنحن كما تعلمون في إقليم آخر ، ولم يكن لدينا علم بالذي تقولون . لو أنكم أرسلتم كلبا من كلابكم لإبلاغنا بخبركم لعجلنا المسير إليكم سامعين مطيعين دون تأخير . فخدمة الدولة شرف عظيم لنا " .
أُعجب قبطان داريا بمقالة مصلح الدين ، فهنأه على حسن جوابه قائلا :
- " لا فض الله فاك " .
تبع مصلح الدين الأسطول الهمايوني في سبع قطع بحرية ، ودخل معه ميناء الإسكندرية . في هذه الأثناء كان السلطان سليم معسكرا في القاهرة بعد أن أتم فتح مصر . وما إن بلغه وصول أسطوله إلى الإسكندرية حتى دخل الميناء ، وأمر بتفتيشه . احتفى السلطان بمحصلح الدين ، وأمده بعدد كبير من الجنود ومعدات الحرب . فأخذ مصلح الدين كل ذلك وعاد بها إلى الجزائر .

انتصار عروج رئيس

دامت رحلة مصلح الدين إلى مصر شهرين كاملين . تضاعف سرور أخي أروج رئيس بعودته بسفنه وما بعثه معه السلطان سليم خان من جنود و مدافع . كنت مقيما في جيجل في أثناء وجود أخي أروج في مدينة الجزائر . كنا قد أخضعنا قسما كبيرا من البلاد لنفوذنا ، فشعر الإسبان المتحصنون بالقلاع الساحلية بقلق شديد لذلك فأعدوا 40 قطعة بحرية ثم قدموا إلى تونس ، فرسوا بقلعة حلق الوادي .
لكنهم لم يجدوا أحدا غيرنا . وعندما أدركوا أنهم عاجزين عن مهاجمتنا انصرفوا عنا ، وتوجهوا إلى مرسى الجزائر . كانت غايتهم افتكاك أكبر ميناء في مدينة الجزائر من أخي أروج.
بات أخي أروج تلك الليلة ساجدا متضرعا إلى الله تعالى أن يمن عليه بالنصر . و عند طلوع الشمس جمع بحارته . كان لديه عدد كبير من المجاهدين العرب والبربر والأندلسيين . لكنهم لم يكونوا يعرفون فنون القتال مثل الأتراك ، بل إنهم يلوذون بالفرار عندما يتحرج موقفهم . كان عددهم بتراوح بين خمسة وستة آلاف مجاهد . قام العدو بإنزال حوالي 10.000 جندي إلى الساحل . كما كان لديه عدد آخر من الجنود على متن سفنه الأربعين .
أمر أخي أروج برفع راياته فوق أبراج المدينة ، وأعد فرقة عسكرية قوية لسحق العدو . وعندما أرخى الليل سدوله خرج أروج خفية من أحد أبواب قلعة الجزائر في ثلاثة آلاف مجاهد ، وقام بعملية التفاف حول الجبال وعسكر خلف الإسبان . كانت ليلة عاصفة شديدة الظلام ، عجل الله فيها بتأييده لأوليائه المجاهدين .
أما الإسبان فقد كانوا يعانون الأمرَّين من هول العاصفة وظلام الليل الحالك .ولم يتمكنوا من معرفة تحرك أروج رئيس ، الذي فاجأهم بهجوم مباغت فلم يستطيعوا أن يعرفوا من أين أُوتُوا . فتم القضاء عليهم جميعا . في هذا الوقت كان تهب عاصفة شديدة مصاحبة لهطول وابل من البَرَد في حجم بيض الإوز . فبدأ الإسبان يقتلون بعضهم بعضا من هول المفاجأة . ثم قاموا بإنزال جميع من كان في السفن من الجنود إلى البر ، فبلغ عددهم مابين عشرين وثلاثين ألف جندي . لكنهم لم يكن أحدهم يرى الآخر من شدة الظلام . واصل أروج رئيس القضاء على فرقهم العسكرية . لقد كانت ملحمة عظيمة انتهت بهزيمة العدو . وفي آخر الليل خرج من قلعة الجزائر 2000 مجاهد آخر ، شرعوا هم أيضا في إبادة القوات الإسبانية . فتم القضاء على الكفار تماما ، وأخذ الباقون أسرى . أمر الغازي أروج بإحصاء الأسرى ، فكان عددهم 2.700 أسير . أما الشهداء فكان عددهم 300 شهيد تم دفنهم في مراسيم رسمية .
انتصرت عساكر الإسلام ، وانهزمت أسبانيا التي كانت تعتبر أكبر دولة كافرة أمام أخي أروج . ومُرِّغ أنف الملك كارلوس في التراب . سوَّد الله وجوه الكافرين ، أمين بحرمة سيد المرسـلين .
كتب إلي أخي أروج رسالة يبشرني فيها بهذا النصر المبين . وعندما وصلني كتابه كان معي أخي الكبير إسحاق رئيس . كنا نستعد للخروج إلى الجزائر في عشر قطع بحرية لمساعدة أخي أروج . ولما لم تعد ثمة حاجة لذلك خرجنا إلى الغزو ، فاستولينا 16 قطعة من سفن الكفار كانت محملة بالبارود ، والرصاص ، والألواح ، والقطران ، والزيت ، والرز ، والقمح . رجعنا إلى جيجل بعد أن مضى على خروجنا تسعة وعشرين يوما . فقمت بتوزيع سفينة من القمح على الفقراء من أموال الغنائـم.
ثم وصلني كتاب آخر من أخي أروج يأمرني فيه بإلقاء القبض على أحد شيوخ العرب المنافقين، فخرجت في الحال في خمسمائة بحار إلى الجبال حيث ألقيت القبض على الشيخ المنافق ، وأمرت بضرب عنقه وعينت شيخا آخر بدلا عنه.
وبعد أن استرحت بضعة أيام ركبت البحر في أكثر من عشرين سفينة ، فوصلنا إلى ميناء الجزائر في ساعة مباركة اجتمعت فيها بأخي أروج و إسحاق ، فأمضينا وقتا طويلا تبادلنا فيه أطـراف الحديث . وعلى هذا النحو قضينا فصل الشتاء .
حل فصل الربيع ، و ازينت الأرض بمختلف أنواع الأزهار . فخرجت السفن من المرسى وانطلقت تداعب مياه البحر . كانت مدينة تنس إحدى مدن الجزائر ، يرأسها أحد الأمراء العرب. كانت في وضع لا تحسد عليه من الخلاف والنزاع . فذاق الأهالي من ذلك الأمرَّيْن . ولذلك كان من السهل أن يتسلط الإسبان على هذه البلدة . كان أخي الغازي أروج يرغب في إخضاع هذه البلدة إلى نفوذه . في هذه الأثناء أرسل ملك أسبانيا كارلوس عشر قطع بحرية متظاهرا برغبته في حماية أمير مدينة تنس ، أما قصده الحقيقي فقد كان يتمثل في النيل من المسلمين . أما سلطان تنس فقد كانت له فرقة إسبانية تتولى حمايته ، إلا أنها كانت تقوم بنهب كل ما يقع تحت يدها من ممتلكات الأهالي وتحمله في السفن وترسله إلى أسبانيا .
بقي أخواي إسحاق وأروج في الجزائر ، بينما توجهت أنا إلى تنس في عشر سفن . فصادفنا أربع سفن إسبانية راسية في الميناء . وما كاد أعين الإسبان تقع علينا حتى انخلعت قلوبهم من شدة الهلع ، فتركوا سفنهم وهرعوا إلى القلعة محتمين بأسوارها المنيعة . فاستولينا على سفنهم ، ومدافعهم ، وبنادقهم بعد أن ولوا هاربين لا يلوون على شيء . أما أنا فقد نزلت في إلى البر في ألف وخمسمائة جندي ، وعسكرت قبالة القلعة . كنت أتوقع مقاومة شديدة ، إلا أني وجدت أبواب القلعة مفتوحة . استقبلنا بضع مئات من المسلمين مرحبين بنا :
- " أهلا وسهلا بكم ، لقد غادر الإسبان القلعة ليلا مع حليفهم أميرنا . ربما كانوا أحد عشر ألفا . لقد خرجوا كلهم بمن معهم من رجال الأمير . أما من بقي في المدينة ، فإنهم لا يرضون بغيركم وغير أخيكم السلطان أروج " .
ما إن سمعت هذا الخبر حتى بعثت خلف الإسبان وحليفهم أمير تنس ألفي غازي ليتعقبوا الهاربـين . فأدركوهم في اليوم التالي ، وصاحوا بهم :
- " إلى أين المفر أيها الملاحدة المارقون ؟ ألا تعلمون أنه لا خلاص لكم اليوم من أيدينا ؟ " .
بعد تبادل إطلاق النار بواسطة البنادق ، اشتبك الفريقان بالسيوف . فلم يتمكن العدو من تحمل ضربات السيوف ، وطلقات نيران البنادق التي جعلتهم يتساقطون كالعصافير . وانتهت المعركة بأسر 350 جنديا من الكفار ، أما الباقون فقد حصدتهم السيوف ؛ بينما سقط منا سبعون أو ثمانون شهيدا جعل الله الجنة مثواهم .
استقبلت الغزاة على مشارف قلعة تنس ، فهنأتهم بالنصر ، واحتسبت الشهداء عند الله .ثم أقمنا مدة في تنس . كان نصيب أحدث الغزاة من الغنائم في هذه الغزوة 500 من الذهب . أما مجموع ما غنمناه فقد كان : 150 قنطارا من الفلفل الأسود ، و 75 قنطارا من القرفة ، و 25.000 ذراعا من القماش ، ومثلها من الإبريسم والحرير ، و400 قنطار من العسل ، و 600 قنطار من عسل الشمــــع ، و 1000 كُبَّة من الصوف ، بالإضافة إلى عدد كبير من المعدات العسكرية .
عينت أحد القادة نائبا عني في تنس ، ثم ركبت البحر في ساعة مباركة في 16 قطعة بحرية متوجها إلى الجزائر ، حيث قابلت أخويَّ أروج وإسحاق ، فتعانقنا بحرارة وشوق . وهنأني رئيس الغزاة أروج بقوله :
- " بارك الله في غزوكم يا أخي "
كان أمير تنس الذي لاذ بالفرار ابنا لأخ سلطان تلمسان . لم يعتبر بما لقيه منا ، بل سُمع يتفوه بهذه العبارة : " هنيئا لملك أسبانيا ، فهو سينتقم لي من هؤلاء الأتراك " .
لقد تبين لنا أن هذا الرجل لم يبق في قلبه ذرة من الإسلام . فقد كان يظن الإسبان قادرين على انتزاع الجزائر من أيدينا وجعله سلطانا عليها . هكذا كان يسبح بخياله في هذا الوهم . ثم علمنا بعد ذلك أن ابن أخ سلطان تلمسان قد استولى على تنس بدعم من الإسبان وبما جمعه حوله من الأعراب . وأن أهالي تنس الذين أنقذناهم من ظلم الإسبان قد رضوه أن يكون أميرا عليهم .
ثارت ثائرة أخي أروج حينما بلغه هذا الخبر ، فقرر أن يسير بنفسه إليه . فجمع علماء الجزائر وسألهم مستفتيا :
- " أيها السادة : ما حكم الشرع في من تمالأ مع الكفار الإسبان ، وبايع ملك إسبانيا الذي سار لقتل إخواننا في الدين ، و وقابل نصحنا بالكنود ؟ " .
فكان جواب العلماء أن : " قتله و اجب ، ودمه وماله حلال " . وكتبوا هذه الفتوى ثم سلموها لأخي أروج .
----------------------------------------------
(1) بربروس = اللحية الحمراء
(2) السباهي : اصطلاح يطلق على الفرسان الذين كانوا يستفيدون من أراضي الإقطاع التي كانت تمنح لبعض العسكريين مقابل دفع ضريبة الخراج لخزينة الدولة، والمساهمة في نفقات الحرب مع الاشتراك في الحرب بنفسه عند الحاجة إليه.انظر :M. Zeki Pakalın , Osmanlı Tarih Deyimleri ve Terimleri Sözlüğü. c. III. s. 230. M.E.B. İstanbul: 1993
(3) أقجة : تعبير يطلق على العملة الفضية التي كانت مستعملة في عصر خير الدين بربروس. انظر:Osmanlı Tarih Deyimleri ve Terimleri sözlüğü. c. III. s. 31

عن المدون Le Grand Maghreb

بوابة الجزائر موقع تثقيفي يُعنى بالشأن الجزائري خصوصا دون الحصر و يرحب بمشاركة القرَّاء.
»
السابق
هذا الموضوع هو الاقدم.
«
التالي
رسالة أحدث

ليست هناك تعليقات :

ترك الرد